إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ١٦٤بالنظر إلى التجلي المطلق بعدما ارتحل عن المقيّد، وقيل إنّه عرف المشهود الشهود أو مع الشهود، وإنما أراد بهم هم (1) السلوك الذي هم من أهله البداية من التجلي المقيد ترتيباً للسلوك لأهل درجتهم.
فإن قلت: لم يذكر سلوك إبراهيم، ويشير إليه، وإنما خص موسى بالصعق. فالجواب لإضافة مجيء موسى لربه [16 و] إليه بقوله تعالى {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَينَا (2) وسير إبراهيم مضاف إلى الله تعالى لقوله جلّ ذكره وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ (3).
فإن قلت: كيف ساير في نظمه بسير موسى، ولم يشر بسلوك إبراهيم وهو أتم في حق السلوك المحمدي وهو مشير إلى السلوك المحمدي بنظمه؟ فالجواب تأدباً كما ذكرناه ولئلا يوهم أنه لا مبدأ له إلا تلك المرتبة فهو مشير إلى سير النبي بما يأتيه، وبما أبداه في الذي يليه من المرتبة وأصحابه الذين ذكرهم لعامة السالكين، فكأنه ذكر سلوك الجميع على الإطلاق؛ لأنه يأتي بسير النبي المحمدي فيما يأتيه بعد ذلك مما يدلّ على أنه هو المطلوب، وبذلك يدلّ على أنه هو المقصود، وإنما لم يبدأ به هو تأدباً واتكالاً على فهم السالكين أنّ المراد المقام المحمدي، وأنه مراد في أول بدايته قبل أن يريد فلا يقدح ذلك في نظم الناظم فيما حكى عن مقالة الحالة المشيرة إلى هذا السلوك بلسان حالها،
فافهم. قال:
12 - هَوَى عَبرة نمت به وجويٌّ نَمَتْ به حُرَقٌ أدواؤها بي أودتِ
يقول: إنَّ هواي الشديد المفتت كبدي الذي كنت أكتمه، فعبرتي ودموعي هي تنمّ عليّ، أي تفشي سرّي على ما فيه من قوة الحبّ، ونيران جوى لم يزل يزيد، وعبرتي تزيد فيظهر تكاثر دموع العبرة قوة ازدياد حرارة جوى، وأن كلما زاد الطمع والرجاء نيران فرط الحبّ أثارت عليه نيران بعد الوصال فعظمت عبرتي بذلك، وتكاثر دمعها فالعبرة تزيد،
(1) كذا في الأصل و [س]، ولعلها [أهل].
(2) الأعراف، الآية 143.
(3) الأنعام، الآية 75.
164