إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ١٦٥

ونار الجوى تزيد حتى بلغ الحال كما قال:

(1)

13 - فطوفان نوح عند نوحي كأدمعي وإيقاد نيران الخليل كلوعتي يقول: فإن قيل: وما المراد بهذه المبالغة في الفناء وفناء الجسم بالنحول، وكثرة الدموع وإيقاد نيران المحبة؟ فأقول: لوجوه

الأول: أنّ الناظم لم يرد بهذه المعاني نفسه، وإنما هو كالمحكي عن قول الحالة المخبرة عن ذلك، ومثله عن قول حال المقام المحمدي مخبراً للسالكين إلى الله تعالى بقوة المحبة والإخلاص لله تعالى لمن يشاء السلوك إليه بما أحبّه له أن يسلك إليه به من منهاج دينه القويم، وصراط حبه المستقيم، وما هو واجب في حق الله تعالى، وحال مقام النبي صلى الله عليه وسلم، و حال مقام كل عابد لله تعالى، وحالة كلّ شيء في الوجود، والحالة بنفسها تدلّ على جميع العباد، وجميع الكائنات، وكلّ عبد من عباد الله تعالى بلسان الحال أنه لو أغرق جميع الوجود إلى العرش المحيط بأدمعه عبرة وخوفاً من سخطه، أو طبق الكون ناراً من نار محبته واشتياقه وشوقه إلى رضا ربّه عنه، وفني مرات كثيرة بعد الحياة بعدد ذرات الوجود لكان ذلك قليلاً في حق جناب واجب الله تعالى واجب الوجود، وخلاف

6

هذا كفر لا يصح.

وإذا كان الأمر هكذا ففي الحقيقة إن قطرة دمع من خشية الله تعالى من عبده المؤمن، ولمحة نار شوق منه إليه على الإخلاص هو أعظم عند الله تعالى من طوفان نوح، ومن نيران الخليل عليهما السلام، بل هما أعظم من ماء يغرق الوجود، ومن نار تطبق العالم كله لقوله تعالى في تعظيم التقى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَنُ (2) التقي المؤمن، وأمّا الكافر فلم يحملها مع [16 ظ] هذا التعظيم له ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (3) لم يأتِ بها إباءة عصيان، وإنما المراد: لم أخلقها فاهمة عاقلة جميع أنواع العبادة ودقائقها مثل الإنسان، وإنما خلق لها من المعاني بقدر ما

(1) في الديوان: [وطوفان] بدل [فطوفان] وأثبتنا ما في الأصل بسبب الالتحام الذي أدّته [الفاء] مع البيت السابق، وهو مقصد الشاعر. وفي الديوان: [كلوعتي] بدل [كز فرتي]، وأثبتنا ما في الديوان منعاً للإيطاء إذ سترد [زفرتي]

في البيت الرابع عشر التالي.

(2) الأحزاب، الآية 72. (3) تتمة الآية الكريمة السابقة.

165