إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ١٦٦

تؤدي

له الطاعة الواجبة عليها، فكل شيء هو في الحقيقة يعبد الله فيما تعبّده، ولكن دلّ بهذا ما خلقتهما إلا لأجل وجودكم، وخلقت وجودكم لأجل عبادتي، فالإنسان أفضل، والحالة تخاطبه بذلك وتشهد له بالفضل إن أدى الواجب، وتشهد له بأنه أقبح المخلوقات هو؛ لأنه رُفع فوق الكائنات فأسقط نفسه من فوقها نازلاً متعمداً فما أجهله، وأظلمه،

وأقبحه.

والوجه الثاني: أن المقصود بالنظم إنباء ما تنباء به الحالة من المقصود بإيجاد الوجود، وأنه المقصود به السلوك ممن لزمه السلوك إلى واجب الوجود، وملك الملوك بإخلاص المحبة. ومن عادة العرب الابتداء بالتشبيب (1)، وتعظيم التشبيب تعظيم للمقصود به ذکره، فيلزم الحالة أن تأتي في تشبيبها ما هو فوق هذا، والحالة لها قدرة على أقوى من هذا، ولكنَّ الناظم ليس له قدرة على الإنباء عنها إلا على قدر فهمه من مقالتها.

فإن قلت: كيف يمثل صفاته الذميمة بفنائه وهو يقول: أرني نظرة، أو أسمعني قول لن] فإني أفنى بذلك، أيستعار هذا للصفات الذميمة، وإنّ منها فيه بقية وتفنى بعد ذلك

بذلك؟

أقول: ليس الاستعارة لها هي، وإنما استعارة ذلك لذاته، وأنه يريد أن يتجلى له من جمال المحبة الإلهية والحضرات الإلهية ما يدهش عقله فيجذبه إلى استغراق المشاهدة فيصفّي ذاته وأعماله لقوة حبّه إليها من كلّ دَنَس وعيب، ويشتغل بغيرهما، فهو يذكر فناء

عن

صفات نفسه بفنائه في حبّ ربّه، فالروح والنفس يفنيان عنه بمشاهدته جمال الله شهود غيره ويندگان اندهاشاً، والجسد والأعضاء اللطيفة استعارهما لنحول الذنوب والصفات الذميمة يفنيان بطاعتهما للروح والنفس الفانيين بحبّ الله تعالى حتى يصير الكلّ نور الكمال لله تعالى.

فالمراد بالاندكاك جبل العقل بالمشاهدة ليندك بها جبل جسد الذنوب، وجسم الصفات بذهابهما أصلاً بقوله: أنظرني وأسمعني خطاباً من العقل وإلى العقل، ومهما

(1) يقول ابن قتيبة الدينوري: « … وسمعت بعض أهل الأدب يذكر أنَّ مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار، والدمى، والآثار، فبكى، وشكا، وخاطب الربع … ثم وصل ذلك بالنسيب … لأنّ التشبيب قريب من النفوس،

لائط بالقلوب»، الشعر والشعراء، 7411 - 75، وهذا هو نظام القصيدة العربية القديمة كما هو معروف.

166