إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ١٦٧

اندهش الحجر من المرء بهيبة أو بحبّ انجذبت الأعضاء إلى ذلك، واشتغل الحجر أدهشه وذهبت كل صفة وكل مشاهدة كانت في غير مَنْ أدهشه

وجميع

الأعضاء

بمن

وفي غير ما أدهشه إلا ما أدهشه، ويصح حينئذ أن يستعار للأعضاء أنها كلها مشعرة بحبّه أو بهيبته، ولا ينكر شعورها فإنّ المرء متى اندهش من هيبة ملك، أو بحبّ محبّ لاقاه فتراه يرتعش جميع جسده من ارتعاش عقله، ويتلجلج لسانه في الكلام، وإذا كان قد يكون هذا في بعض الناس لمشاهدة بعضهم، فما ظنّك إذا تجلى الله بعظمته، أو بمحبته، أو بهيبته على عبد من عبيده كما تجلّى الله بقدرته على موسى على الجبل فخر موسى صعقاً، فاعرف ذلك.

والوجه الثالث له مثال فيهم؛ لأنّ صفات نفوسهم الذميمة منها يجب أولاً فناء أفعالها، وما تابعوها لقوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (1) وهو الفناء الأول، ولكنَّا فيها هي بمنزلة الأجساد الكثيفة ثم فناء [17 و] الصفات بالتجرّد عنها أصلاً، وهو الفناء الثاني، وهو بمنزلة فناء الأجساد اللطيفة، وذلك أنّ فناءها غير لازم إذا لم يتابعوها، وإنما هي من طريق التصوف بفنائها، والثالث: فناء الإرادة، والمحبة والمشيئة في غير ما يحبّه الله زيادة فوق الواجب عليه، وهو الفناء الثالث وهو بمنزلة فناء الإحساس؛ لأنه لا يحس في نفسه حتى فيما يصيبه من ألم حباً لزواله لقوة حبه في الله تعالى.

والرابع: الاستغراق في مشاهدة تجلّي حضرات الله من تجلي المقيد صاعداً إلى تجلّي المطلق، فيكون حينئذ بمنزلة الفناء الكلي حتى العقل والإدراك؛ لأنه لا يشاهد إلا ما يشاهده فقد فني عن جميع الكائنات، ولم يلتفت إليها، وهنا وإن كان لا يدوم بأحد ثابتاً، فإنَّه قد يكون في الناس أهل هذا السلوك ويختلف مقامه فيهم، ومنهم مَنْ يكون كذلك الله ويردّه إلى خلقه للأمر والنهي كالأنبياء، ومن بعدهم بعض الأولياء كمن ما يشاء الله من الصحابة.

مع

والوجه الخامس (2): أن إشارة الحالة بهذه المقالة إلى السلوك المحمدي ومن بعده من

(1) النازعات، الآية 41.

(2) في الأصل و [س]: [الرابع] بدل [الخامس)، وهو من خطأ القلم.

167