إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ١٧٤الأسماء بتَوَلّ عني لحظر، أي لمنع عن النظرة إن خفيت عليّ، وبين اشتياق مني نظرت
إليها، إلى وصالها.
بيان
اعلم أن الارتباط الحاصل بين الأمرين لظهور كمال متيقن، ومظنون متعلق بذلك الظهور، ولهذا الارتباط مبدأ، وهو الميل إلى ظهور المذكور، والطلب المتعلق بالمحبّ والمنبعث منه، وله نهاية متعلقة بالمحبوب وحاصلة من قبله وهو امتناع ذلك الظهور لأجل مانع عليه ما به إلى المباينة والامتياز بين المحب والمحبوب، وله وسط، ودفع ذلك الامتناع بالميل إلى دفع ذلك المانع. ولكلّ واحد من هذا المبدأ، والوسط، والنهاية حكم وأثر خاص ظاهر في المحب، فحكم المبدأ رجاء وانبساط وتوقع لذة، وحكم النهاية حزن غالب، وهم دائم متلف كالعشق وهو نبت يجفف الشجر، وبهذا الحكم يسمى عشقاً، ووسطه حركة مزعجة، وحرقة متلفة إلى لقاء المحبوب والنظر إليه، فإذا تجلى له من بعيد
أو قريب، ولم يكمل التجلّي زاد فيه طلب تمام التجلّي والقرب معه وهو الاشتياق. ولذلك قالوا: الشوق يزول بلقاء المحبوب والاشتياق يزيد يقول: فنيت بين هاتين الحالتين مع تولي الحضرة عني منعت، وهو معنى حظرت فَلَجَّ بي الشوق، ومع التجلي الحضرة يزيد اشتياقي بالنظر إليها لطلب تمام التجلي (1).
قال:
33 - ولو لفنائي من فنائك رُدَّ لي فؤادي لم يرغب إلى دار غُربة يقول: [19 و] قد بلغ بي الفناء إلى أن التحقت روحي بعالم [المثال] (2) الأول الذي فيه الأرواح قبل الأجسام بألفي عام (3) فيما يروى عن النبي أنه قال كذلك، ثم خلقت
(1) هذه تفرقة دقيقة بين [الشوق] و [الاشتياق] تشير إلى علم الشيخ الواسع، وتغلغله الدقيق في دروب الحقيقة، ومسالكها، فقد سئل الأستاذ أبو علي الدقاق عنهما ففرّق بينهما وقال: الشوق يسكن باللقاء، والرؤية، والاشتياق لا يزول باللقاء بل يزيد ويتضاعف، ومن هنا توجّبت الدقة في فهم [المصطلح] فهو رفيع المعنى، ضيق الدلالة، ينظر عن هذين المصطلحين موسوعة الحفني، ص 818، وموسوعة العجم، ص 511، وما بعدها. (2) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(3) يوضح د
د. محمد مصطفى حلمي هذا الأمر بقوله: .... رأينا أنَّ أخص ما تمتاز به الروح سبقها في الوجود على البدن، فهي موجودة في عالم الأمر قبل أن يوجد البدن في عالم الشهادة، وهي مستقلة في حبّها للذات وفي
174