إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ١٧٧إلى إرادة فناء كل حجاب مانع عن تجلي جمال الحضرات الإلهية بالمحبة الإلهية. واعلم أن المحبة التي تكون بالمرء إذا كانت لا تطلب إلا الله تعالى بالإخلاص إليه، وصدقت في الطلب والعِلم والعمل فهي المحبة الإلهية؛ لأن المحبة الإلهية (2) تطلق على معنيين:
أحدهما محبة الله التي هي إرادته التي هي صفة ذاته ولم يزل مريداً.
والمعنى الثاني المحبة التي يودعها في قلب المؤمن الولي، ويشرق في العين [19 ظ] البصيرية، ويدعو العين الغريزية والعين المدبرة إلى الله تعالى، فتلك المحبة هي خلق من الله تعالى، وهو نور المؤمن. ويصح أن تنسب إلى الله تعالى فتسمى المحبة الإلهية، وهي تطلب الزيادة من المحبة التي أوجدها في عباده الأنبياء والأولياء، وبحرها المحبة التي حلت في روح رسول الله، وكلّ مَنْ أفيض عليه منها شيء فإنما أفيض من بحره، فصح أن محبة الله على معنيين: أحدهما له، والأخرى صفة لذاته والكلام في الإلهية التي له. فإن قلت كيف جاز نسبها إليه؟
قلت: لقوله تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي (3)، وقوله في عيسى إِنَّه: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَنهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحُ مِنْهُ﴾ (4) فنسب ذلك إليه، وجعل عيسى كلمته، أي آيته، فدلّ على أنَّ كلَّ شيء في الوجود هو كلامه وصح أن الكلام على معنيين: أحدهما صفة لذاته، والمعنى الثاني نسبي إليه، وبهذا التوحيد تتضعضع حجّة من قال كتب الله غير محدثة؛
لأنها كلامه.
والكتب ليست هي صفة ذاته، أي لو كانت صفة ذاته لثبتت أنها هي الذات، تعالى الله علوّاً كبيراً، كذلك إذا تكلمت اللسان بكلام فهو كلام الذات الإنسانية، ولكن هي لا تتكلم بالحروف، فكان صفة ذلك الكلام من أفعالها ليس ذلك الكلام صفة ذاتها، بل هو صفة لذات ما هو فيه معناه، والمراد بذلك أنَّه صفة ذات المذكور المراد بذلك الكلام، فافهم،
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س، وبها يستقيم الكلام.
(2) مرَّ الحديث عن المحبة الإلهية. (3) الحجر، الآية 29.
(4) في سورة النساء: 171 قال تعالى: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَيْهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحُ مِنْهُ)
177