إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ١٨٠لأنه قدر على المخاطبة بعدما انتهى إلى درجة لا يقدر على الأنين، وفي ذلك مثال قوله تعالى: ﴿نَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (1).
(بيان في الإفاقة في السكر والرجوع إلى مراتب الطور الأول الحبي):
قال:
42 - ولم أحكِ في حبيكِ حالي تبرّماً بها لاضطراب بل لتنفيس كربتي (2) يقول: وما أبته بين يديك وإليك بما لا قيت من آلام الحبّ وشدائده لم يكن ذلك تبرماً، أي لم يكن عن سآمة، ولا لأجل اضطراب منّي، أي تردّد إلى إرادة وميل إلى السلوان، وإنما هو لتنفيس كربتي معك بإظهاره إليك؛ لأن كتمان السر بنفسه شديد تعبه وألمه.
بيان
اعلم أنا قد ذكرنا أنّ المحبّ في ترقي محبته في مَنْ يحبه في مراتب أطواره لن يتخلص بالكلية من أحكام كل طور كلّي منها إلا أن ينتهي به الحبّ إلى آخره، ثم يرجع به إلى أوله مرات كثيرة، وذلك لبقايا خفية منه في دقائق ذلك الطور، وما تحقق فناؤها كما يشير إلى ذلك فيما بعد قوله:
ولم يَبْقَ هَوْلٌ دونها ما ركبته وأشهد نفسي فيه غير زكية (3)
أي غير نقيّة من بقايا دقائقه لم أَفْنَ (4) فيها كما سيأتي بيانه في محله.
ومن جملتها تألم المحب من آلام الحب وأسقامه، وطلب الخلاص من كربها، وإرادة الخلاص لأجل ذلك الهلاك، فهذه الإرادة لأجل حصول اللّذة بالراحة منها، وذلك من بقايا طلب حظ النفس وغايتها أن لا يريد إلا ما يحبّ المحبوب، وهو من طلب حظها لتتم لذتها بذلك.
(1) الزمر، الآية 23.
(2) في الأصل: [أو] بدل بل]، وأثبتنا ما في الديوان لتلاؤمه مع الشرح.
(3) لم ندخل هذا البيت ضمن الترقيم العام إذ ساقه المؤلف على سبيل الاستشهاد، وسيتوقف عنده ثانية في موضعه،
ورقمه ضمن التسلسل (202).
(4) في الأصل و [س]: [أفنى]، وما أثبتناه أصوب.
180