إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ١٨١ولما انتهى إلى آخر هذا الأول الحبّي رجع إلى مرتبته الأولى من ذكر التألم، والتضجر
من البلاء، ثمّ يترقى ويذكر أنّ ذلك البلاء بعده من الإنعام على سبيل التهتك في المحبة، ويروم أداء شكرها، ثم يترقى إلى ذكر إخلاصه في المحبة، وأنَّه لا يريد بها سوى مَنْ أَحبَّه، ثم يترقى إلى ذكر ثباته في الحب، وأنَّه لا يغيّره شيء، ولا يرغب عما يحبّه الذي هو يشير إليه، ثم إلى أنه هو غاية مرامه، وفي هذا لا يبقى فيه إلا إحساسه، ثم إذا تخطاه إلى الفناء
لا يعود.
فانظر هذا من أبياته التي تأتي تراه كذلك مرتباً فيها (1)، وقد أظهرت لك أنَّ هذا كله
إشارات [20] ورموز، وإظهار حكم في فناء صفات النفس وفناء إرادتها.
قال:
43 - وَيَحْسُنُ إظهار التجلّد للعدا وَيَقْبحُ غير العجز عند الأحبَّةِ يقول: ويحسن إظهار التصبر بالكتمان على ما في المحبّ من التعب والبلاء، وشدة الآلام للأعادي لئلا يشمتوا به، وأما عند محبوبه فلا بأس فهو غير قبيح إذا كان على غير معنى العجز، أي الملل وطلب السلوان.
واعلم أنّ قولنا: محبوبه نفي الله التنزيه أولاً، وإن جاز بمعنى التوسع في اللغة، ولكن نحن لم نرد بهذه الكلمة في الله، وإنما أردنا بذلك المثل في المحب والمحبوب، ثم ينقل المعنى لا الكلمة إلى الله تعالى، فإنّه على هذا الوجه يليق لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾، وفي الحقيقة إن معرفة الله تعالى وظهور معرفته في الكائنات أعظم من أن يوصف بالنور؛ لأنها أكمل برهاناً من النور (2). وأعظم نور في الوجود نور الشمس، وهو أجلُّ وأعظم فضرب مثلاً بالشمس، ثم بالسراج وهو أقل من الشمس تمثيلاً حكمياً بالغاً إلهياً في القرآن العظيم، والنبي الكريم، وما في القرآن العظيم من العلم، ومثالاً لصدر النبي، وقلبه، وعقله، وعلمه، وإيمانه، ومثلاً لكلّ مؤمن، وضرب بالزيت مثلاً للعلم الإلهي الحق من دينه، والسراج مثلاً لنور الإيمان،
(1) يرجى ملاحظة هذا الترتيب المنهجي الذي أخذ به الشيخ ناصر نفسه، وهو ينطلق فيه من فكرته الأولى عن القصيدتين كليهما من حيث أنهما بناء فكري واحد وهو ما أشرنا إليه سابقاً. (2) هذا ورع شديد من الشيخ ناصر، وتوق حذرٌ منه لئلا يخرج ولو قلامة ظفر عن التوحيد الخالي من أي شبهة.
181