إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ١٨٢

والفتيلة

مثلاً

للعقل المضيء بنور الإيمان والعلم والزجاجة مثل القلب الجسماني المركب فيه العقل، والمشكاة وهي كوّة في الجدار مثلاً للصدر، وتحت ذلك علم جمّ شرحناه في كتابنا [كتاب الإخلاص بنور العلم والخلاص من الظلم] (1) شرح أبيات قالها الشيخ الفصيح المنطيق حميد بن محمد بن رزيق (2)، فصح أنه يجوز ويحسن أن تقول لمن تخاطبه في حبّ الله جل وعلا من علامات المحبّ لمحبوبه أن يكون كذا كذا (3)، وأنت لا تريد بذكر المحبوب الله، وإنما تريد به غيره تمثيلاً، وكذلك لو قال إنَّ المحب في صحة هوى محبوبه كذا وكذا، وكلمة الهوى لا تحسن في الله، ولكن تحسن في غير الله، ويكون ذلك بمعنى المثل، حتى أن يجوز ويحسن لمن يخاطبه في حب الله تعالى أن يقول له ليس هذه من صدق تمام المحبة بالكلية؛ لأنّ من علامات المحبة إذا

من

علامات

شغف المرء بأهله بقوة هواه أن يكون كذا وكذا، وأنت بعدك لم تبلغ هذه المرتبة. ولذلك اتسعت العبارات لأهل السلوك (4) إلى الله تعالى، فتراهم يذكرون حبّ النساء، وحبّ الأماكن، وحبّ الناس بعضهم بعضاً، ويرومون بذلك المثل في حبّ الله تعالى أنه كذلك صدق المحبة في الله تعالى، وما داموا يريدون به المثل فيصح لهم ذكر الهوى والعشق، وإذا أرادوا به الله تعالى نزّهوه عن كلمة العشق والهوى.

وأما في ضرب المثل بها في غير حبّه، والمراد بالمثل في حبّ الله تعالى فلا لوم، فقل في المثل في غير الله ما شئت ممّا جاز، وإن كان المراد بالمضروب به المثل في حبّ الله

(1) ينظر كتاب [الإخلاص] للشيخ ناصر، ص 596، وما بعدها.

(2) الشيخ حميد بن محمد بن رزيق بن بخيت بن غسان النخلي، ولد سنة 1198 للهجرة، وتوفي سنة 1290 للهجرة، مؤرخ، شاعر، ملمّ بفنون مختلفة، ينظر عنه بحث د. سعيد الهاشمي، ومقدمة تحقيق سلك الفريد، 1/ 10، وما بعدها، وقد أشرت إليه في المقدمة باعتباره أحد تلاميذ الشيخ ناصر. (3) في س: [كذلك].

(4) يعالج الشيخ ناصر الله في هذا الموضوع قضية هي من أعقد قضايا الشعر الصوفي وهي الرموز، والإشارات في شعرهم، ولذلك نراه يتبنى الرأي الذي يذهب إلى ضرورة فهم العبارات على غير ظاهرها، وأنَّ «الإشارة سبيل الصوفي إلى ستر أذواقه ومكاشفاته عمّن ليس من أهل الذوق والمكاشفات، ولعله لو اصطنع أسلوب العبارة فعبّر في صراحة ووضوح عن أسراره وحقائقه، لكان في ذلك ما يحنق عليه الناس … وقد تبين أن شعر ابن الفارض الذي يتغنى فيه الحب، ويصف الخمر، لا يصح أن يؤخذ على ظاهر ألفاظه، وإنّما يجب أن يلاحظ فيه عامل التلويح والإشارة»، وهكذا فهمه الشيخ ناصر، ودعا إلى الرضا بهذا الفهم ينظر ابن الفارض والحب الإلهي،، د. محمد مصطفى حلمي، ص 153. وينظر كذلك شعر عمر بن الفارض د. عاطف جودة نصر، ص 122، وما بعدها ففيه تفصيل عن هذه الرموز، والإشارات.

182