إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ١٨٣فلا بأس وافهم، كقول ابن الفارض:
هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهلُ فما اختاره مضنـي به وله (1) عقلُ فهو متكلم في حقيقة الهوى في كل شيء لم يقصد به الباري أولاً، وإنما قصد حقيقة الهوى في كلّ شيء، ثم يقصد بذلك بعد قصده في كلّ شيء أنَّ الحبّ في الله كذلك، كما أنَّ الهوى في غيره كذلك، فيقيس الحبّ الذي يحسن إلا أن يسمى حباً فيه لا هوى ولا عشقاً بالحب الذي يحسن أن يسمى فيه هوى وعشقاً، إنَّه كما أن صدق الهوى في [21 و] هذا المخلوق كذلك صدق المحبة في الله فافهم.
وافهم
أننا أحببنا في الله اقتصار التسمية في ذلك على المحبة، وأخرناها في المثل الذي يمكن فيه إرادة (2) غيره، وكذلك لفظة المحبوب لا نريد بها إلا مثلاً لا تسمية لله تعالى بذلك، وإن جاز، وكذلك الشوق إنَّما نريد به مثلاً في كل شيء لا تخص به في ذكر الباري وإن جاز غير الذات تأدباً في عظمة الله جلّ وعلا، والمثل قد يكون خصوصياً، وقد يكون عمومياً، فالخصوصي ما يضرب به مثل في شيء مخصوص، والعمومي ما كان بمعنى كلّ لا يخصّ به الباري جلّ وعلا، وما كان الكلام يتوجه إلى معنى كل، ومثاله أنّ الحبّ والهوى من المحبّ في المحبوب أن يكون كذا وكذا فهو بمعنى كلّ، وفي مثل هذا ولو كان المراد به الباري سبحانه وتعالى فإنّه يكون بذلك مثلاً، ويرتفع المثل بنفسه إلى الله تعالى بالتنزيه، ولو لم يرفعه الناظم بلفظه ما لم يرفعه تخصيصاً لله بمثل لا يليق وإلا فهو كذلك.
وذلك مثل قول القائل: فتى في هواه عن سواه له به فأحلنا لفظة [هواه] إلى الحبّ في
الله فكتبناه: فتى حبّه فيه إليه له به إذا كان القائل بذلك من أهل الاستقامة في الدين. والحب، والهوى، والعشق كله من معنى واحد، ولكن بالتوجه بالمحبة في الأشياء تختلف أحكامها فتختلف أسماؤها للفرق فإذا توجهت المحبة لغير الله تعالى سميت هوى وحباً، فإذا توجهت إلى المحسوسات، وقويت حركاتها في النفس وطلبها بمحبوبها
(1) في الأصل: [وهو] بدل [وله]، واخترنا رواية الديوان و [س] فهما أصوب، ينظر الديوان، ص 185. الملاحظ ومن أن المؤلف يسوق بيت ابن الفارض على سبيل الاستشهاد كما صنع في واحد من أبيات التائية الكبرى كما سبق. (2) في الأصل: [رده]، وأثبتنا ما في س.
183