إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ١٩٦

تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيتَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) (1)، وقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّنَ مِيتَقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيتَقًا غَلِيظًا (2). وظنّ بعضهم أن أخذ الميثاق لعامة المؤمنين قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ﴾ (3).

إن الله تعالى أخرج من بني آدم ذريته في ظهور آبائهم في جميع واحد مثل الذرّ، وأشهدهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى، أي أنت ربنا، ولو قالوا: نعم لكفروا؛ لأنَّ بلى تأتي جواباً لإثبات المستفهم المراد إثباته، ونعم تأتي جواب نفي للمستفهم فيه (4)، ثم عاهدوه إذا ردّهم إلى آبائهم، وإخراجهم بعد ذلك ليؤدوا له الطاعة، وأنّ الله تعالى يؤاخذهم بذلك العهد وتلك الشهادة.

والصحيح أن تلك الشهادة إنّما هي شهادة عقولهم التي لا يصح معها شكّ أنّ الله تعالى ربهم، والأخذ هو الإخراج، وهو إخراج كلّ ولد من ترائب أمه، وصلب أبيه في وقت خروجه وبلوغه الحلم، ووجوب التعبّد بمعرفة الله تعالى فهو مأخوذ بالشهادة لله أنه ربه، ومأخوذ باعتقاد الطاعة لله، فإذا عرف ذلك فقد شهد، فإذا اعتقد فقد عاهد، وإن لم يهتد إلى الاعتقاد، ولم يَنْوِ الخلاف، وكل شيء لزمه أدَّى فهو في الحقيقة معتقد، وقد ثبت له إيمان أبيه آدم وأمه حواء لقوله تعالى في حكم ذريته أولياءه: (الْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ، فقد عاهد الله آدم لأن يعبده ويرضى عنه فهو عهده عليه، وأنّ لذريته ماله من الرضا من لم

(1) البقرة، الآية 63.

(2) الأحزاب، الآية 7. (3) الأعراف، الآية 172.

(4) يسمّي البلاغيون ودارسو الإعجاز هذا النوع من الاستفهام استفهاماً تقريرياً، وحقيقته أنه استفهام إنكار، والإنكار نفي، وقد دخل على النفي، ونفي النفي إثبات، ويقول الزركشي في البرهان، 32412 ما نصه: «واعلم أنّ في جعلهم الآية/ ألست بربكم من هذا النوع إشكالاً؛ لأنه لو خرج الكلام عن النفي لجاز أن يجاب بنعم، وقد قيل: إنهم لو قالوا «نعم» كفروا، ولما حسن دخول الباء في الخبر، ولو لم تُفد لفظة الهمزة استفهاماً لما استحق. الجواب، إذ لا سؤال حينئذ»، وهو يقترب مما ذهب إليه الشيخ ناصر، وهذا يشير إلى قراءات الشيخ الواسعة في علوم القرآن الكريم، وينظر عن هذا النوع من الاستفهام معجم المصطلحات البلاغية، د. أحمد مطلوب، 1/ 190، وما بعدها، ففيه تفصيل مفيد.

196