إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٢٠١

72 - وَنَعْتِ جلالِ مِنْكِ يَعْذُبُ دونَه عذابي ويحلو عنده لي

يقول: وأقسم بنعت جلال: أي بوصف تجلي جلال جلالك، يعذب: أي أستلذ دونه، أي أقلّ ما أستلده أشد عذابي، وتحلو قتلتي: أي إلى قتل مرات كثيرة، ومراده الفنا الحبّي. والتجلي على وجوه (1): تجلي الذات للذات وتجلي الصفات للذات، وتجلّي أنوار ه (1): الصفات في عالم المثال وفي عالم الأشهاد، وتجلّي العقل الوجداني بما تجلّى في الوجود من الصفات تجلّت له من الوجود، أو من صفاته وأفعاله واجب الوجود؛ لأنَّ منهم من شهد الله والوجود معاً، ومنهم من شهد الوجود وشهد به واجب الوجود ومنهم من شهد الله وشهد به الوجود ومنهم من شهد الله ولم يشهد الوجود بل فني في حبّه، وأنَّ الفناء قد أخبرناك به مراراً أنّ المراد به بعد فناء الصفات التي أشرنا إليها وهي الصفات الذميمة النفسانية، المرتبة الآخرة فناء المحبة والإرادة والفكرة في صفات الله تعالى وأفعاله، لا في مشاهدة ذاته، والدليل على صحة (2) ذلك أن المرء قد يمر في طريقه وهو يفكر فى أمر فيغفل أنّ معه أصحاب (3) أبداً، ويغفل عن كلّ ما يمر به في طريقه وإن كُلّم لا يسمع في أول مرة، وهذا مشاهد كثير، فكيف ينكر من يفكر في آلاء الله، وإحسانه، وكرمه، ولطفه، وجلاله، وعظمته ويترك التفكر في الذات، وقد قال النبي: [تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في الله] (4)، وقال تعالى: نَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ} (5)، وقال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ (0)، فمن يجد من نفسه في ذكر الله، وذكر آيات الله هذه الصفات وقد ذكرها فلا غرو إن أنكر طريق المحبة وفناء الفكر فيها، فقسم هذا يتجلى كلّ جلال الله تعالى الذي لا يمكن تجلّيه للسالكين إليه، ويعذب معه كل عذاب، ويحلو كلّ قتل، أي فناء، أو القتل نفسه، أي الموت إن اختار الله له الموت، وقد ذكرنا لك أنَّ هذا

(1) ينظر عن [التجلّي] ووجوهه: موسوعة الحفني، ص 678، وما بعدها، وموسوعة العجم، ص 161، وما بعدها، والشيخ ناصر يلخص وجوه ا ره التجلي هنا تلخيصاً جيداً، يشير إلى سعة اطلاعه.

(2) في س: [صفة]، وما أثبتناه من الأصل، وبه يستقيم المعنى.

(3) في الأصل و [س]: [أصحاب]، وهو أصوب.

(4) مرَّ تخريج هذا الحديث.

(5) الزمر، الآية 23.

(6) المائدة، الآية 83.

201