إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٢١٩غير تشبيه في شيء، ولكن هذا هو عين التوحيد، لا عين التشبيه لتعلم أن الله غني عن السموات والأرض، وإنما كوّن (1) الأكوان لأجلك، لأجل العلم به، ولا يصح أن يختلف
علمك به الذي تجلّى به في السموات والأرض، وكشفه لك عن عمله بذاته وبصفاته. وليس المقصود من كلامنا هذا أنَّك تكون عالماً بجميع علمه بالسموات والأرض، ولا
علمه بكل ما أودعه في ذلك من العلم، بل المقصود العلم بالله تعالى لا غير (2). والعلم الذي علمته أنت لا العلم الذي خفي عليك، فالعلم الذي علمته أنتَ من العلم به هو الذي لا يختلف، والكمال الإلهي هو كمال صفاته، وأفعاله، وكماله أنت هو العلم به بكماله وبصفاته، فصار كمالك كماله ونور علمك به الذي نقب العوالم كلّها هو من نور علمه به، فإذا صرت هكذا كاملاً في كلّ شيء فقد تجلّت صورته في صورتك، أي صفاته في ذاتك، وهو الذي أراده الناظم. وقد كررنا عليك القول في هذا المعنى خوفاً من أن لا يتضح لك فتسيء إما به، وإما بنا ظنّاً، فافهم ذلك (3).
قال:
- فَدَعْ عَنكَ دعوى الحب وادْعُ لغيره فؤادك وادفع عنكَ غَيَّكَ باللتي يقول: وقالت: فإذا كنت على هذه الصفة، وأنت تدعي أنّك محب لنا فَدَعْ عنك هذه الدعوى، واصدق القول هو خير لك، وأما انظره بالكشف إنّه صحيح.
لغيره: أي لغير الذي ادعيته أنه إليه فؤادك، وادفع عنك غيّك: أي زيغك عن طريق الحبّ، بالتي هي أحسن حتى تظفر بمنهاجه وتأتينا منه، وهو أن لا تُرد به لنفسك في شيء من الأحوال أصلاً، وأن لا تُري نفسك أصلاً فضلاً أن ترى شدّة حبّها وبلائها، وهو الطور الثاني من الحب.
وهذا آخر بيان الطور الحبّي الذي هو من أوله إلى آخره في الحقيقة يطلبه المحبّ
(1) في س: [يكوّن].
(2) يلاحظ هذا التوقي، والاحتراز لئلا تخدش الوحدانية الصافية، وهو ما أشرنا إليه سابقاً.
(3) هذه إشارة ضرورية من الشيخ ناصر لئلا يقع القارئ في الوهم، ويظن الظنون، فالكلام يحتمل وجوهاً يحرص
الشيخ على توضيحها جميعاً خشية التوجه إلى وجه واحد.
219