إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٢٣٣123 - وَمِنْ دَرجات العز أمسيتُ مُخْلداً إلى دَرَكاتِ الذلُّ من بَعْدِ نَخْوتي (1)
يقول: وقد كنت قبل وصولي هذا المقام في حال سلوكي، وبدايتي طاهراً بكثرة الورع، والمجاهدات، والأخلاق والعلوم، والأعمال القلبية، والغالبية على ظنّ أنّها وسائل لحصول وصولي إلى هذه الدرجة القربية، [32]، وكانت لنفسي في ذلك نخوة، أي تعظيم وتكبّر، أي أراها بعين التعظيم والرفعة والشرف وأني في أعلى درجات العزّ، فلما انكشف لي الحق في طريق الحبّ أنزلت نفسي من درجات العزّ التي ظننتها عزّاً لي، وإنما هي غاية العزّ، وانكشف لي غاية العزّ في درجات هي أعلى من هذه، وهي دركات الذل والتذلّل بالمحبّة، وفناء جميع الصفات الذميمة النفسانية، والإرادات لها، والمحبّة لشيء لغير المحبوب، فأمسيت مُخْلِداً، أي مائلاً عن هذا النظر لنفسي إلى المنظر إليها بالذلّ، وإنزالها أسفل دركات (2) الذلّ، وإلى سلوكها طريقة المحبّة، والفناء عن النظر إلى نفسي بشيء أريده لها غير ما يريده المحبوب.
قال:
(3)
124 - فلا بابَ لي يُغْشَى ولا جَاءَ يُرتجى ولا جَارَ لي يُحمى لِفَقْد حميتي) يقول: وأمسيت لا باب لي يغشى: أي لا أحد يأوي إلى بابي، ولا لي جاه مع أحد؛ لأني صرت كأني لست بشيء لما أنزلت نفسي منازل الذل والحقارة، ولا لي جار يحميني لفقد حميتي، أي لعدم حميتي لنفسي عن الذلّ؛ لأني أنزلتها أسفل منازل الذلّ حتى لم ينظرني أحد أني شيء أبداً لحقارتي، ومراده لا يغشى بابه، أي باب نفسه من رؤيته أعمال نفسه، ولا جاه، أي لا يطلب حظاً لنفسها ولا جار، أي ولا صفة من صفات النفس لها تدبير، وتأخير [في] (4) نفسي من العزم، والتوكل والتفويض، والإرادة، والمحبة، بل رجعت ذلك كله إلى الله تعالى ما يشاء ويختار، ولم يكن لنفسي عن التدبير إلا ما يأمرني به ويحبّه لي،
(1) هناك بيت في الديوان يسبق هذا البيت هو:
وأخملني وهناً خضوعي لهم، فلم يروني، هواناً بي محلاً لخدمة
وسيأتي هذا البيت بعد قليل، ورقمه [125].
(2) في س: [درجات].
(3) في الديوان: [بي] بدل [لي].
(4) ما بين المعقوفين ساقط في
س.
233