إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٢٤حيث الاتصال المباشر بإمامين من الأئمة، مما ولد إحساساً ثقيلاً بحجم المسؤولية الدينية الملقاة على عاتقهما، وضرورة حمل تلك الأمانة بإخلاص وتأديتها كما هي بلا زيادة أو نقصان. ومن هذه العوامل الثقافة الدينية الخاصة التي تلقاها الوالد والابن، واختيارهما جانب الزهد، والانصراف عن الدنيا من هذه الثقافة، مما حملهما على تطبيق ما أخذاه بدقة، ومنها أيضاً الاقتناع الكامل بتلك الوجهة في الحياة التي تؤثر الخلوة والعزوف عن الملذات، وهو مما يتلاءم مع تركيب شخصيتهما ومنحاهما في الحياة. وقد بيّن لنا الفاضل أحمد بن سعود السيابي معالم ذلك الاتجاه الذي تبناه الوالد وولده وهو يقوم على «عمق التأمل في الوجود والتعمق في علم الكلام والفلسفة والمنطق والخلوة وكثرة الأوراد» (1). ونلاحظ أنه يجعل من هذا التوجه مدرسة يسميها المدرسة الجاعدية أو البونبهانية، وهذه المدرسة صاحب فكرها العلامة الرئيس أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي .. وبعد وفاة أبي نبهان حمل ابنه الشيخ ناصر .. فكر تلك المدرسة» (2)، وهذا هو الذي رأيناه متحققاً في سيرة الشيخ ناصر وكتبه على حد سواء.
ومن الضروري أن نقف عند نقطة أكدها الفاضل السيابي وهي قوله: « .. حتى إن الإباضية لم يطلقوا على ذلك التوجه اسم التصوف، بل أطلقوا عليه اسم السلوك، فالشعر الذي تكون فيه نزعة صوفية يسمونه شعر السلوك» (3)، ونحن نعلم أن السلوك مصطلح ينضوي تحت مصطلحات الصوفية التي يكثرون ذكرها، ويرتبط به مصطلح آخر هو (الطريق)، ويتحدثون عنه بتفصيل؛ غير أن ما يهمنا منه هو معرفة مدلوله الصوفي الذي سنرى أنه يقترب كثيراً من المدلول الذي اختاره الاتجاه الجاعدي شعاراً له؛ فالسلوك هو تهذيب الأخلاق ليستعد العبد للوصول بتطهير نفسه عن الأخلاق الذميمة مثل حب الدنيا والجاه ومثل الحقد والحسد والكبر والبخل .. وبالنهج على الأخلاق الحميدة مثل العلم والحلم والحياء والعدالة» (4)، وهو أيضاً انتقال من منزل عبادة إلى منزل عبادة بالمعنى وانتقال بالصورة من عمل مشروع على طريق القربة من الله إلى عمل مشروع بطريق القربة
(1) بحثه عن أبي مسلم البهلاني، ص 51.
(2) بحثه عن أبي مسلم البهلاني، ص 51.
(3) بحثه عن أبي مسلم البهلاني، ص 51.
(4) معجم مصطلحات الصوفية، د. عبد الحليم الحفني، ص 133.
24