إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٢٥١

بنائه النفقات العظيمة، وعبده يبني البناء حتى أتمّه وأحكم صناعته، وتشييده بالتشييد فيصح أن يقال إنّ هذا البناء بناه الملك الفلاني لنفسه، أو لأحد من خدمه، ويصح أن يقال هذا بناه هذا الأستاذ من خدمة للملك، أو لنفسه لأجل أن نفعه رجع إليه، كذلك الصلاة والعبادة على المجاز، والحقيقة على هذا المثال يصح القول فيها كذلك، فافهم.

قال:

154 - وما كانَ لي صَلَّى سِواي ولم تكُنْ صلاتي لغيري في ادا كل ركعة يقول: وفي الحقيقة لم يصل (1) لي أحد غيري؛ لأنّ تلك الحضرات وإن أوجبت عليّ، وصار فرضاً، وأغاثتني، فهي فارضة عليّ وعلى غيري، ومعينة لي ولغيري، فالتي أنا صليتها لم يصلّها أحد غيري بها، ولم تكن صلاتي إلا لي في أداء كلّ ركعة، لا لغيري لقوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ (2) وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} (3)، وكذلك توجّهي إلى ذاتي، أي إلى الحضرة المتجلّية في ذاتي؛ لأنَّ عند أهل الصوفية أنَّ الذات هي نور العقل، وإنّما سواه كان عدماً محضاً (4) وإن كان في الحقيقة هو غير عدم، ولكن في مقابلة هذا النور الذي به يُعبد الله تعالى، وبعدمه تفسد عليه العبادة بإفساده صاحبها لها فيكون باطلاً، وتلك الذات النورانية هي التي عرفت الباري حق المعرفة وتوجهت إليه، وهي الداعية إلى الله تعالى وهي التي لزم التوجّه إليها لتسلك حيث تسلك به، لا لأجلها، ويكون التوجّه [39] هي الدليل، والتوجه إلى قضد الدليل ليدله إلى المطلوب الواجب عليه قصده، وأحبّ كذلك الحضرات الصفاتية، ففي الحقيقة أن العبد يقصد بعبادته الذات لا الصفة، ولكنّ الصفة هي الدليل على معرفة الذات فإذا لم تُعرف الصفة لم يعرف الموصوف بها، فالتوجّه إلى الصفات لازم ليعرف بها الموصوف، فافهم ذلك.

بيان: هذا آخر سَفَر النفس، ومن بعده سفر الروح:

قد ذكرنا أنَّ السفر إلى الحق على أربع مراتب الأول من النفس إلى الحق بحكم

(1) في الأصل و [س]: [يصلي].

(2) الجاثية، الآية 15.

(3) النمل، الآية 40.

(4) في الأصل و [س]: [عدم محض].

(5) ما بين المعقوفين ساقط في

س.

251