إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٢٦١والترك لهذا القسم الأول، ونوعه الأول، والصفات، وطلب اللذات الحسية يسمّى عند
أهل الصوفية في اصطلاحهم توبة (1)، وترك القسم الثاني ونوعه، والإعراض عنه يسمّى الزهد (2)، وباقي المقامات الإيمانية والإسلامية كلها فروع ومقامات، ومتمات لهذين القسمين وهذين النوعين ويتفرّع هذان القسمان والنوعان في الترك لهما والإعراض عنهما إلى مراتب، ودرجات الفقر (3) جامع لدرجاتها، فإنَّ الفقر إلى الله هو القُربة إليه، وهو الموصل إلى حضرة القُرب، والداعي إليها، فصار من أكبر الأسباب الموصلة إلى تجلّي الحضرات التوبة الزهدية، والزهد في الأغيار والفقر إلى الله الملك الجبار، ولما كان لا يصح كون التوبة عن النظر إلى الأغيار والزهد وتحقيق الفقر إلى تبدل النفس وصلها عن ذلك، أتى الشيخ بهذه المعاني في هذه الأبيات.
قال:
168 - تَقَرَّبت بالنَّفس احتساباً لها ولم أكن راجياً عنها ثواباً فأدْنَتِ يقول: [41] تقرّبت بقتل نفسي احتساباً لها، أي لصلاحها متبرّعاً كالمحتسب الناظر للصلاح بغير طلب أجرة على فعلي ذلك منها، ولم أكن راجياً عوضاً عنها ثواباً؛ لأني لم
في
ذلك يبرزون [احتراق] ذلك السالك، و [قلقه] الدائم بغية التغلب على تلك الحجب وخرقها، وهي عملية دونها مشاق وأهوال.
(1) التوبة أول مقام من مقامات الانقطاع إلى الله، وأول مقام من مقامات السالكين، ووصفها الثوري بقوله: هي أن تتوب عن كلّ شيء سوى الله تعالى، وجعلوها أقساماً نحو توبة الإنابة، وتوبة التائب، وتوبة نصوح، ولهم فيها كلام خصب يطول، ينظر عنها موسوع رعة العجم، ص 211، وما بعدها، وموسوعة الحفني، ص 695، وما بعدها.
من
(2) الزهد هو خلوّ القلب عمّا خلت منه اليد، والفرق بينه وبين الفقر هو أنَّ الفقر يمكن وجوده بدون الزهد، كأن يترك الفقير الدنيا بعزم ثابت إلا أنَّ ميله إليها لا يزال باقياً، والزهد أيضاً يمكن وجوده بدون الفقر كأن يزهد الشخص الدنيا رغم إقبالها عليه، وتقتدي الصوفية بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم باعتباره ذروة الزهد والزاهدين، وللقوم كلام طويل في الزهد وأقسامه، والزاهدين وأنواعهم ينظر في موسوعة الحفني، ص 870، وما بعدها، وفيها أنَّ الزهد مقامات اليقين التسعة. (3) الفقر: لعلَّ هذا المصطلح من أظهر الدلائل على خصوصية الألفاظ عند الصوفية، ونهجها نهجاً خاصاً بهم ينفصم عن الدلالة اللغوية المعروفة، فحقيقة الفقر عندهم ليس هو الفاقة والعدم، بل هو الفقر المحمود الثقة بالله تعالى، والرضا بما قسم، أو هو وقوف الحاجة على القلب، ومحوها إلى كلّ أحد سوى الرب على حد قول السهروردي، كما جعلوا الفقراء أقساماً ومراتب، ينظر موسوعة الحفني، ص 902، وما بعدها، وموسوعة العجم، ص 717، وما بعدها.
261