إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٢٧٢لأنَّ الوصل (1) جمع بين واصل وموصول، أو بين موصولين، أي فقد جمعت لك بيان السلوك وشروطه لنصحى، لبذل نصحي: أي إعذاري وإنذاري لك وتحريضي، ووصيتي
عليك إن قبلت وصيّتي فقد فزت بالسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة.
قال:
185 - فلم يَدْنُ منها موسر باجتهاده وعنها به لم يَنْاً مُؤْثِرُ عُسْرَةِ يقول: لمّا كانت حضرات القرب إلى الله تعالى من عباده على تفاوت، وكلّ حضرة تنال بوجه من السلوك إليها، وهذه الحضرة لا تُنال إلا بهذا السلوك، وذلك حق، وقد قلتُ لك في وصيّتي إليك، ونصحي لك أن تقصدها بالإفلاس من رؤية شيء من الأغيار حتى عن نفسك، وعن رؤيتك لأعمالك كأنها ليس بشيء في حقّ جنابها، فإنّه كم من محبّ رامها ورأى كثرة أعماله في اجتهاده، واستعظم ما كان من جنابه إليها، فلم يَدْنُ منها: أي لم يقرب إليها هذه الحضرة، وإن قرب إلى حضرة هي دونها [43 و] فإن المراد هنا هذه الحضرة، موسراً باجتهاده أي بكثرة اجتهاده من الأعمال مثل عامة أهل الإسلام المخلصين إلى الله بأداء الواجب وترك المحرم، وما قدروا عليه من المكروهات، والعمل بما قدروا عليه من المندوب، والوسائل الشرعية الخفيفة عليهم، ولم يتخلّصوا من رؤية الأغيار، ورؤية نفوسهم، ورؤية أعمالهم إليها مفلسين من كلّ شيء سواها، فهم وإن بلغوا الحضرة الأولى من القُرب فإنّهم لم يدنوا إلى هذه الحضرة، ولم ينأ عنها مَنْ أتاها كاملاً بأداء الطاعة، وهو مؤثر العسرة، أي مختار الإفلاس بعد ذلك من كلّ شيء سواها، ولأجل ذلك أمرتك أن تأتي إليها به.
قال:
- 186
- بِذَاكَ جرى شَرْطُ الهوى بين أهله
وطائفة بِالْعَهْدِ أَوْفَتْ فَوفَّت
يقول: بذلك: أي بهذه الشروط جرى بين أهل الهوى، أي أهل الحبّ في كمال صدق المحبّة من المحبّ لمحبوبه أن لا يأتيه إلا كاملاً لازماً للاستقامة التي أرادها منه محبوبه، وأن يكون مع ذلك مفلساً خالياً باله من كلّ شيء سوى محبوبه حتى لا يذكر الحضرة ولا
(1) في س: [الوصول].
272