إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٢٨٤يقول: وغُيّبت: أي وفنيت عن رؤيتي إفراد نفسي فلم أر نفسي أني أفردتها عنها، وصرت بحيث لا يزاحمني نظري إلى إبداء وصفي بحضرتي، أي إلى ظهور وصفي لي أني بحضرتي بها، أي صرت بحيث إنّي لا أرى نفسي أني أرى الحضرة المتجلّية عليّ، وإني قد صرت بوصفي كذلك.
بيان:
وبعد أن تخلّص من القيود، وحجب الأغيار، وتخصص بأنوار الوحدة، وإطلاق البقاء ببقاء حضرة الرحمن والودود شرع بذكر ما تحقق من الحضرات الظاهرية والباطنية والجمعية بينهما، ليكون ذلك سبباً باعثاً للترغيب وللحثّ على السلوك الأول، وما تحققه
في سفر النفس.
قال: [46 و]
209 - وَهَا أنا أُبدي في اتحادي مبدأي وأُنهي انتهائي في تواضع رفعتي يقول: وفيه تقديم وتأخير وتقديره: وها أنا أبدي: أي أظهر وأكشف، وأبين ترغيباً للسالكين بياناً في اتحادي بالحضرة الجمعية الكمالية الاتحادية التي أصير فيها بي يسمع
أن
وبي يبصر، وبي ينطق، وبي يبطش، وأنهي انتهائي في تواضع رفعتي: أي أنهي نفسي تطلب نهاية في ترقّي القرب؛ لأن ذلك من سوء الأدب في كمال المحبة؛ لأنَّ المحبّ لا يطلب، ولا يرغب للقربة نهاية، وإنما أنهي انتهائي في تواضع رفعتي، فمتى نظرت نفسي أني قد أكملت مراتب القُرب واكتفيت بذلك دلّ على نظر نفسي بالرفعة، وصار لحبّي في الطلب حد، ولكنّي أتواضع عن رفعتي هذه فأكون كأني بعد لم أتقرب أبداً. والاتحاد له معنيان (2): أحدهما علم الله به في حضرة غيبه الذي لم تزل ذاته به عليمة.
هنالك إياها بجلوة خلوتي
و سيرد بعد قليل ضمن التسلسل ورقمه [211]، وفي الديوان: [وصف] بدل [وصفي].
(1) هنا اختلاف في ترتيب الأبيات عما هو في الديوان، وسيرد هذا البيت بعد قليل، ورقمه في الديوان [213]. (2) يقدّم الشيخ ناصر للاتحاد ثلاثة معان كما سنرى، وهو في جميعها يستبعد أي فكرة ولو كانت قريبة ممّا يذهب إليه القائلون بالاتحاد بمعناه الآخر، وهو تصيير ذاتين واحدة، أو حالة صوفية تسقط فيها الاثنينية بين المحبّ والمحبوب، ومن الممكن القول إنّ ابن الفارض والشيخ ناصر كانا يريان أنّ الاتحاد لا يبتعد عن كونه حالة نفسية تعرض للسالك في سلوكه، وينكشف فيها الحجاب عن نفسه فيشهد أنَّ المحبّ عين المحبوب، والمشاهد عين
284