إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٣٠١يعلم، بل نفسه عليمة، ولا يصح أن يكون عليماً؛ لأنه عليم بالمعلومات [49 ظ] فهو عليم، والمعلومات مخلوقات هو خلقها فقبل أن يخلق العلم والمعلومات هو العليم الحكيم، فكذلك هذا السالك المتكلم الناظم عنه بلسان قول حالته إنَّه موجود في العلم الأزلي علمه؛ لأن الله تعالى لم تزل به، وبصفاته، وبما يفيضه عليه من أنوار صفاته، وأن يكون سمعه وبصره، ولسانه. والمعنى أن يتولى أمره بالتسديد والإعانة، عالماً كما كان في عالم الغيب لإيجاد (1) فهو موجود في علمه الأزلي، ولا وجود له في حين وجوده، ولا أنه صفة حالة في نفسه تعالى الله عن ذلك، ولا شيئاً منفصلاً عنه جلَّ وعلا، بل هو ليس بشيء في حين ذلك، وهو شيء، أي وجوده في علمه نفسه الذي من وصفه أنه لم يزل عالماً به، ولا يصح أن يكون عالماً بغير شيء، فإن فني هنا كلّ شيء سوى الله تعالى، فإنَّه هو الأول الأزلي الذي كان ولا شيء معه، فهذا نفي الإثنينة، والكثرة، وبقي حلول عالم (2) الأشياء التي ستكون بإيجاد الله لها في نفس الله، أي ذاته، وتصحيح توحيد الله إذ جعلته واحداً ولا شيء معه، وهو باق على وحدانيته فإنّه لم يزل واحداً، ولا شيء معه، ويبقى كذلك واحداً ولا شيء معه، ولكن المراد بالأول كان الله ولا وجود لشيء من الوجود معه، وبعدما أوجد فهو واحد، لا شيء معه حتى الوجود؛ لأنَّ الوجود إنَّما هو باق على وجوده لإبقائه هو إياه، وإلا فلا وجود لبقائه فإنَّه فعله، ومتى لم يفعله لم يكن، وليس كالباني متى لم يبن لم يكن، ومتى بنى كان؛ لأنَّ البناء بعد بناء الباني له لم يحتج إلى الباني لبقائه، وهذا في حين إيجاده له هو كائن، وفي حين تركه إيجاده له لم يكن فهو يضمحل بالترك، بل أقرب في الوصف أن يقال مثل الكتابة في الماء ففي حين الكتابة فيه ينشق الماء، وفي حين الترك يضمحل، وإذا كان الأمر هكذا - وهو لا شك - فالله تعالى باق على وحدانيته والوجود فعله، وفعله هو فعله، والمفعول غيره، وما كان خيراً من عمل الإنسان مما يحبّه منه، وإن كان من الله لذلك العمل خلقاً، ومن العبد فعلاً فإنَّه يجوز أن يقال إنَّ ذلك الفعل هو فعل الله؛ لأنه بمشيئته، ومحبته، وإرادته كان ذلك من العبد، والعبد، وما عمله ممّا يحبّه له هو من فعل الله فصح أنّ حقيقته كما قال عن الله تعالى رسوله: (كنت سمعه، وبصره، ولسانه). وما سبق له في الحضرة الغيبية أنه يكون كذلك فهو هو ذلك، وهي، أي
(1) في س: [علماً كما كان في عالم الإيجاد]. (2) في س: [علم].
301