إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٣٠٨يقول: فجاهد تشاهد منك فيك: أي إذا شئت الوصول إلى هذا المقام فجاهد فيك،
أي نفسك، أي اجعل هذا الجهاد فيك فإنَّك تشاهد منك، أي بنفسك، وهذا عند أهل البديع يسمونه اللف والنشر (1) في (1) في التقديم والتأخير وراء ما وصفت [أي فوق ما وصفت] (2) لك مما شاهدته بنفسي، ولا يريد بمعنى وراء ما أحطت به أنا سكوناً، أي اطمنانة، أي تمكناً عن وجود سكينة، أي تمكناً صادراً عن وجود سكينة، والمراد هنا بالسكينة الثبوت، والصحو بعد السكر، ولكن قد يسكر بذلك الصحو إن شاهد مرتبة أعلى في القرب فيكون لصحوه إلى المشاهد سكر، وفي حال سكره بحبها هو في صحو؛ لأنَّه لو لم يَصْحُ لم ينظر فيكون له وصف آخر أنَّ صحوه في سكره، وسكره في صحوه، كما صح وصفه كذلك في البداية، فهو في ترقي كلّ درجة من درجة أخرى كذلك في وصفه.
[51 و] قال:
237 - فَمِنْ بَعْدِ مَا جَاهَدْتُ شَاهِدتُ مَشْهدي وهادي لي إياي بل بي قُدوتي (3) 238 - وبي موقفي لا بل إلي توجهي كذاك صلاتي لي ومني تعبتي يقول: ولما قاله معانٍ، باطنة ومعان ظاهرة، فأما ظاهرها فلها وجه في الحق. يقول: فمن بعد ما جاهدت شاهدت مشهدي: أي صفاتي أنّي ما خُلقت إلا مرآة لتجلّي كمال الله تعالى، واتصف بكماله الصفاتي والعقلي؛ لأنَّ حقيقة فعله الكامل كلَّه إنّما هو لتكمل الذات المتعبّدة بمعرفته وعبادته فكانت حضرة التجلي بالكمال لأجل ذاتي، فذاتي وهي حقيقة ذاتي فأنا هي وهي أنا؛ لأنَّها كمالي، وهي الهادي، أي المهدية لي إياي، وأراد المهدية إياها، وإنما قال إيَّاي حيث جعلها، ذاته، وإنّما جعلها ذاته لأنَّ الله تعالى تجلّى بها لتكمل بها ذاته [فلما اكتملت بها ذاته] (4) صارت تلك الحضرة ذاته كأنه أثبتها هي، وطرح سواها،
(1) اللف والنشر ويسمّى أيضاً الطيّ والنشر، وهو أن تلفّ شيئين ثم ترمي بتفسيرهما جملة، ثقة بأن السامع يردّ إلى كلّ واحد فيها ماله، كقوله تعالى: وَمِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ، فألقى الليل والنهار أولاً وجعل الأول للسكون، والثاني لطلب الرزق، وكذلك ابن الفارض حيث ألقى المجاهدة والمشاهدة أولاً ثم أتى بالسكون للأول، والسكينة للثاني، ينظر عن هذا المصطلح معجم | المصطلحات البلاغية، د. أحمد مطلوب، 3/ 72، وما بعدها.
(2) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
(3) في الديوان: [قدرتي] بدل [قدوتي].
(4) ما بين المعقوفين ساقط في
س.
308