إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٣٠٩وأراد بذلك أنّه إذا لم تكمل الذات بها يراها، أي ذاته في حق رؤيته لها أنها لا شيء، وقوله: بل بي قدوتي يحتمل وجهين: أحدهما بي، أي بسعيي لئلا يبطل الأسباب والاختيار للمرء؛ لأنَّه يقول تعالى: (لا يزال عبدي يتقرب إليَّ) فكان التقرب سبباً، والثاني قوله: بي، أي بها، وإنَّما أضافها إلى نفسه لأنَّها كماله، وبتجليها عليه كان اقتدؤاه. وقوله: بي، بمعنى وفي موقفي إشارة إلى الوقوف في جبل عرفات، بل بمعنى: وكذلك إلى توجهي إشارة إلى التوجه إلى الله تعالى كذلك في صلاتي. ومني كعبتي وأراد بذلك. أحدهما: معنيين أن النفس مأمورة أن تأتم بالروح ائتماماً في التوجه إلى الله تعالى، وفي الصلاة وفي كلّ عبادة؛ لأنَّ طاعتها بالله طاعة الله، وعصيانها معصية الله تعالى؛ لأنها محل تجلي نور محبة الله المحبة الإلهية، ولا يصح إلا التوجه إليها. والمعنى الثاني أنَّ التوجه إلى الله تعالى وهو المتجلي علمه بمرآة العقل، وفيها تجلي صفات الله ونور محبته، وأوامره، ونواهيه التي الكمال فإليها التوجه، وفيها القبلة، وفيها يتجلّى المعبود لقوله: ما وسعني سمواتي ولا رضي، ووسعني قلب عبدي المؤمن، فليس الله في جهة يتوجّه إليها عليها، وإنما التوجه إليه خالصاً وهو التجلي لمرآة العقل، فكانت هي قبلة التوجه، فافهم. ولما أخبر بما شاهد
هي!
أمر بالسلوك إليه المستعدة قلوبهم إلى قبول ذلك، والاقتدار عليه بقوة عزائمهم.
قال:
239 - فَلا تَكُ مَفْتوناً بحبّك مُعْجَباً بنفسك موقوفاً على لبس غرّة (1) يقول: فلا تَكُ مفتوناً: أي مشغوفاً بحبك بقوة المحبة، والرضا لمحاسن أفعالك الحسنة، معجباً بنفسك: أي حيث أعجبتك نفسك على اقتدارك على أعمالك، موقوفاً لا تروم الترقي بالصعود إلى المراتب العلية، واقفاً على لَبْس غرّة، أي فذلك الوقوف هو
وقوف غِرَّة لبست عليك.
قال:
- وَفَارِقُ ضَلالَ الفَرْقِ فَالجَمْعُ مُنتج هُدَى فِرقة بالاتحاد تحدّت يقول: وفارق ضلال الفرق أي جرد نفسك عن كل شيء يضلّك عن الوصول إلى
(1) في الديوان: [بحسّك] بدل [بحبك]، وفي هامش الديوان أنها إحدى القراءات للبيت.
309