إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٣٢ومن الضروري أن نشير هنا إلى أن أولئك الشعراء والعلماء العمانيين حين تأثروا بابن الفارض وغيره من شعراء المتصوفة ومؤلفيهم إنما اختاروا ما يلائم عقيدتهم ومذهبهم، وقد ألمحنا إلى هذا فيما سبق، ولهذا اختاروا مصطلح السلوك، ونأوا به عن الحلول، ووحدة الوجود وما إليهما ذلك مما قاله فيه بعض المتصوفة، كما أن ابن الفارض نفسه ينضوي تحت ذلك التيار «المتمشي مع أصول الدين، المحافظ على تعاليم الكتاب والسنة) (1) ومن هنا جاء ذلك الاهتمام به من لدن الشعراء والعلماء العمانيين للتوافق بينهما منطلقاً ونتيجة.
-5 -
بين المسرد السريع الذي قدمناه سابقاً عن اهتمام الشراح بشعر ابن الفارض أنهم حين تصدوا للشرح في القسم الثاني كانوا يكتفون بشرح قصيدة واحدة من شعره، وعليها تقوم كتبهم، فإذا انتقلنا إلى التخصيص قلنا إنهم حين تصدوا الشرح التائية الكبرى أفردوا الكتاب برأسه لها لم يخلطوه بقصيدة أخرى، وفي الوقت عينه لم تظفر التائية الصغرى بشرح منفصل كالذي رأيناه مع الكبرى؛ غير أننا في عمل الشيخ ناصر نجد أنفسنا إزاء عمل مختلف تماماً، وقبل الدخول في تفاصيل هذا العمل نقف عند واحد من أشهر شراح التائية هو عبد الرزاق الكاشاني، فبعد أن يسهب في الحديث عن مكانة التائية، وأهميتها الصوفية يتحول ليبين جهده معها فيقول: «فانبعثت مني دواعي التقرب إليها والاستئناس واستنطقتها للإيناس بعد الإياس حتى إذا أنست بمجاورتي وأخذت من مسامرتي طفقت أنضو نقاب تعززها بيد، التوحيد، وأكشف حجاب تمنعها بأيدي التأييد وأحلّ معاقد دررها ومناضدَ غُررها بمحالل التأنق والتحقيق وأنامل التأمل والتدقيق .. فلما تصفحتها مراراً وقلبتها أطواراً واحتظيت بمعانيها على قدر ما قدر لي من الاستعداد (2)، وجدتها مبنية على قواعد العلم والعرفان منبئة عن نتائج الكشف والوجدان» (3)، إلى أن يقول: .. ولم أرجع في إملائه إلى مطالعة شرح له كي لا ترتسم في قلبي رسوم وآثار تسد باب الفتوح
6
(1) ابن الفارض، والحب الإلهي، د. محمد مصطفى حلمي، ص 42. (2) يرجى ملاحظة الأسلوب الذي يستخدمه الكاشاني الذي يقوم على المجازات والتصوير، وينحو نحو الزخرفة وتعميق ظلال الألفاظ، وهذا هو شأن أسلوب الصوفية في كتاباتهم ولاسيما المتأخرين منهم، ومن هنا اتصف ما قدموه بالعمق والخصوبة، واللغة المتميزة مقترنة بالمضمون العميق.
(3) كشف الوجوه الغر، 8/ 1 - 9.
32