إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٣٣٠من صفاته، فلا تصفوه بكلّ ما يُدرك بالبصر فإنَّ الله تعالى ليس كذلك، وكذلك كلّ ما تتو همونه (1) بعقولكم، فإنّ الله ليس كذلك، وقوله لموسى: لن تركني (2) جواب قاطع الدنيا، وقوله: ﴿وَلَكِن أنظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ، فَسَوْفَ تَرَكَنِي﴾ (3)، ولم يستقر الجبل فدلّ على أنه لن يراه (4) جواب له بـ[سوف] للمستقبل، و [سوف] من كلامه يأتي لمستقبل الدنيا والآخرة.
له في
وبالجملة فالقول بثبوت رؤية الله تعالى إلى الذات من أحد من خلقه مستحيل، ومحال، وضلال، ومَنْ دان بذلك فهو دائن بالضلال، ومَنْ قال ذلك واعتقده (5) فهو قائل ومعتقد للضلال الذي لا مخرج له على حال (6).
فإن قلت: فما معنى قول ابن الفارض وإذا سألتك أن أراك حقيقةً فاسمح، ولا تجعل جوابي [لن ترى] (7) هل يحتمل له وجه حق؟ فأقول: إنّه يحتمل أن يكون أراد رؤية غير الذات، وإنما أراد رؤية تحقيق وجوب الذات وتحقيق الصفات لله تعالى التي هي صفاته، وأما تحقيق صفاته فكذلك هيهات أن يراها وأما تحقيق وجوب ما له من الصفات فهو الحق الذي لابد أن يتحققه كلّ متعبد، وبالحقيقة إنَّ إدراك العجز عن الإدراك هو الإدراك، فإذا عرف (8) الله حق المعرفة فقد رآه حقيقة؛ لأنَّ تلك الرؤية التي عرف بها الباري بصفاته، ووجوب
(1) في الأصل و [س]: [تتوهموه] بدل [تتوهمونه].
(2) الأعراف، الآية 143.
(3) الأعراف، الآية 143.
(4) في الأصل و [س]: [لا سيراه]، وما أثبتناه الصواب. (5) في س: [ومَنْ اعتقده].
(6) هذا هو الرأي السائد الذي تأخذ به الإباضية في هذا الأمر، ومن البدهي أن يشدّد الشيخ ناصر في توضيح رأيه فيه، وفي هذا يقول سماحة المفتي الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: (وذهب إلى استحالة الرؤية في الدنيا والآخرة أصحابنا - الإباضية – وهو قول المعتزلة … )، ينظر كتابه الحق الدامغ، ص 32، وينظر كذلك كتاب عزة محمد عبد المنعم زايد (رؤية الله تعالى بين المثبتين والنافين) ففيه تفصيل مفيد. (7) هذا بيت من قصيدة عدّتها أحد عشر بيتاً لابن الفارض، مطلعها:
زدني بفرط الحب فيك تحيراً وارحم حشا بلظى هواك تسعرا
ينظر ديوانه، ص 231.
(8) في س: [عرفت] بدل [عرف]، وما في الأصل الصواب.
330