إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٣٣٧فيكلمه من حيث لا يراه. فإن قلت: كيف يخلق الله صوتاً يكلمه، أو جبرائيل، ويقول له: إني أنا الله، وكل ذلك هو غير الله؟ فأقول: يجوز على معنى الإرادة أنه يريد به الذي أرسله إليه كما قال ابن العباس (1) في منظومته:
في
أنا الموجود فاطلبني تجدني وإن تطلب سواي لا تجدني إلى آخرها، فهو مخبر عن الله لا عن نفسه، ومن هذا الوجه سُمي التلبيس كذلك قوله: أنا الحضرة المحبوبية، والحضرة المحبوبية هي أنا وأنا عين حقيقة الوجود، وأنا الظاهر في كل مظهر من الوجود، فإنما هو لتوافق المعنى، والمراد بذلك حضرة الجمال الإلهي التدبيري الظاهر في كل شيء، وسمى نفسه به لاتحاده [به] (2)، وإن كان هو قد اتحد ببعضه فالمعنى كله واحد، فإنّ الماء من جميع الأنهار هو الماء القراح، وهو واحد بالاسم والمعنى والحقيقة، ولكنَّ ذات ماء ذلك النهر في الحقيقة هو غير ذات الماء الجاري هذا النهر الآخر، وكذلك الذهب هو الذهب حيث ما كان اسماً ومعنى وحقيقة، وفي الحقيقة أنَّ هذا الذهب هو غير ذلك في الشخصية، فيصح أن تحكي عن شيء من الذهب أنّ هذا الذي كسا الملوك، وعمّر المدن، وجيش الجيوش، وجذب جميع العقول، وذلك الذهب الذي معك وتصفه بهذا الوصف أخرجته بنفسك من معدنه، أو عملته بالحكمة الصادقة الصحيحة فيه لم يستعمله إنسان في شيء أبداً، فقولي: أنا هي، وهي أنا، أي الحضرة الجمالية التي في علم الله أنه يظهرها في الوجود وجدها من هذا الوجه، والاتحاد بها هو الاتصاف بصفاتها، والحضرة الجمالية التي هي وصف لذات الله تعالى فتلك لا تجلي، ولا تظهر إلاّ صفاتها بالصفات الدالة عليها التي أوجدها الباري دلالة عليها لتوحيد بحقيقة التوحيد، ومعرفته حقَّ المعرفة التي أرادها الباري أن يعرفوها بها لا غير وهذا آخر سلوك المريدين القاصدين إلى الله تعالى وآخر قسميه، فالقسم الأول الذي تجلى لهم أولاً عذاب النار فخافوا فأنهضهم إلى العبادة لله بالإخلاص خوف النار على أنفسهم، أو تجلّى لهم نعيم الجنة فطمعوا به، وأنهضهم الطمع والرجاء إلى الإخلاص لله تعالى، وذلك مقام عامة [58 و] المؤمنين الناجين، وله في الذكر الحكيم ذكر قوله تعالى:
(1) في س: (عباس) بدل [العباس].
(2) [به] ساقطة ـة في سـ
س.
337