إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٣٤

الملل» (1)، ونحن نشعر منذ الوهلة الأولى بنبرة التواضع التي تشع في الكلام السابق، فهو يبدأ بداية متواضعة من حيث إنه لم يرده كتاباً، بل أرادها تعليقات على الأبيات يحتفظ بها لنفسه لتكون عوناً له إن أراد العودة إلى الشعر بعد حين. فهل بدأ الشيخ بصنع الجزازات، وكل جزازة هي الشرح المبدئي البسيط للبيت وتتوالى الأبيات، وتتكاثر بعد هذا الجزازات فالشروح؟ فقه النص يشير إلى هذا، غير أنه لم يكتف بهذا الحد، بل انتقل إلى عمل آخر كان النواة لهذا الكتاب، ولعله رأى أن ما علق به على الأبيات لم يكن كافياً فاتخذ وجهة أخرى مصغياً لنصيحة من نصحه، واقتناعاً منه بهذا النهج الجديد، يقول: « .. واعلم أن الشيخ بدأ بنظم السلوك من غير أوله بل من مراتبه العلية بقوله: سقتني (2)، وأوهمت صحبي (3)، وهو قصد نظم السلوك إلى الله تعالى كله فكان ابتداء سلوك صحبه الذين ذكرهم لم يأت ابتداء سلوكهم وعرف أنه كان ينبغي له غير ذلك فعمل لها رأساً (4)، وبدأ بالسلوك من أوله في مائة وثلاثة أبيات (5) للمواصلة، ونحن أحببنا أن نبتدئ بإيضاحه من أوله، وأشار علينا بعض الإخوان بترك الكتاب لمن يأتي ويشاء النظر فيه فأجبته وجمعته وسميته كتاب إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك وجزيته ثلاثة أجزاء» (6)، هل نفهم من قوله السابق أنه يرى القصيدتين شيئاً واحداً، وأنه لا بد لمن يريد التصدي لشرح الثانية أن لا يتسنى له ذلك إلا بعد شرح الأولى، فكأنَّ الأولى وسيلة الدخول إلى عالم الثانية؟. نحن نعلم أن من الباحثين من ذهب إلى أن التائية الكبرى ليست إلا ترجمة لحياة الشاعر الروحية كتبها عن نفسه بنفسه، وقص فيها ما تعاقب عليه من أطوار الحب وما عاناه من ألوان الرياضات والمجاهدات، وما خضع له من ضروب المحن والآلام في كل طور من هذه الأطوار (7)، أو هي وصف المعراجه

(1) إيضاح نظم السلوك، وا.

(2) يشير الشيخ ناصر إلى الكلمة الأولى من بيت التائية الكبرى الأول، وهو: سقتني حميا الحب راحة مقلتي وكأسي محيا من عن الحسن جلت (3) ويشير هنا إلى الكلمتين الأولى والثانية من بيت التائية الكبرى الثاني وهو:

وأوهمت صحبي أن شرب شرابهم ينظر ديوان ابن الفارض، ص 84، وما بعدها. (4) رأساً يريد به تمهيداً أو مدخلاً.

(5) هذا. هو

في انتشائي بنظرة

عدد أبيات التائية الصغرى، وهي في الديوان كذلك كما ذكر الشيخ ناصر مئة وثلاثة أبيات، ينظر الديوان،

ص 71 - 80.

(6) إيضاح نظم السلوك، و 1، نلاحظ هنا أن الشيخ يشير صراحة إلى عنوان كتابه النهائي، وهو ما سنقف عنده بعد

قليل في توثيق نسبة الكتاب إلى الشيخ ناصر.

(7) ابن الفارض والحب الإلهي، د. محمد مصطفى حلمي، ص 93.

34