إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٣٥

الروحي نظاماً (1)، كما نثر فيها ابن الفارض اختباراته الشخصية وسرد أحواله النفسية سرداً بعيداً عن الاستقصاء والحصر (2)، ونعلم أيضاً أن من الباحثين من سلك طريقاً آخر إذ اعتبر أن التائية الكبرى جماع لبقية قصائده التي تبدو كتجارب جاهدة ومحاولات غير تامة في سبيل وصول الشاعر إلى غايته، فلو رتبت جميعها ترتيباً نفسياً متسامقاً وطبيعة التجربة الصوفية لجاءت نقاطاً صاعدة على خط بياني واحد تتربع التائية على قمته علامة وصول إلى النهاية والغاية» (3)، وهي أيضاً النهاية مطاف السير الحثيث للشاعر في طريق حبه الإلهي .. فهي بهذا محصلة بقية قصائد الديوان التي تمثل تجاربه القاصرة عن بلوغ الغاية (4)، أقول نحن نعلم هذا، وكثرة أخرى من الدارسين كان لها رأيها القريب من الرأيين السابقين، ولكن الشيخ ناصراً يختط لنفسه طريقاً ثالثاً يختلف عن الطريقين السابقين، ويرى أن هذه الحياة الروحية لابن الفارض في أطوارها الأولى لم تبدأ في التائية الكبرى، أو قصائد الديوان كلها كما رأينا، بل يراها متمثلة في تائيته الصغرى فقط، ومن هنا توجب سلوك الطريق من أوله، والوقوف عند الصغرى لملاحظة ذلك التطور الروحي ورصده، كما أنه يعدل هنا عما قرره سابقاً، فقد أخذ بنصح من نصحه، وجعل من القصيدتين وشرحهما كتاباً ذا ثلاثة أجزاء بحسبان أنهما شيء واحد، فهو ليس شرحاً بالمعنى المباشر للشرح بل رصد للتطور الروحي لابن الفارض من خلال القصيدتين.

وقبل الدخول إلى منهج الكتاب نقف عند أمرين نراهما مهمين يتعلقان بالتائية الكبرى وحدها. أما الأول فيتلخص فيما يراه الشيخ ناصر من أن ابن الفارض ركب جميع كلامه فيها على هذه الرواية المروية التي حكاها رسول الله عن الله تعالى وجعل قاعدتها ومنتهاها في شرح ثلاثة أسماء الله تعالى من أسماء ذاته وصفة رابعة من صفات ذاته جل وعلا وهي السميع والبصير والقدير ولم يزل متكلماً، وقال وهذه بلا آلة التعريف هي صفات ذات المرء التي هي عقله فهو سميع بصير قدير متكلم، وجعل الله تعالى هذه الذات وأنها هي في الحقيقة سميعة بصيرة متكلمة قديرة وبها كان العقل عقلا» (5)، ويريد الشيخ ناصر بالرواية المروية التي حكاها رسول الله لعن الله تعالى قوله: «كنت كنزاً

(1) في التصوف الإسلامي، نيكلسن، ص 120. (2) التصوف في الإسلام، د. عمر فروخ، ص 138.

(3) تائية ابن الفارض وشروحها العربية، د. عبد الخالق محمود، رسالة ماجستير لم تنشر، ص 2.

(4) المرجع السابق، ص 15.

(5) إيضاح نظم السلوك و 1. وسنقف بتفصيل فيما بعد عند هذه القضية الكلامية المعقدة.

35