إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٣٦لم أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت خلقاً كي أعرف فبي كانوا وبي عرفوني، وما تقرب عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وإذا تقرب مني عبدي بفرائضي وبالنوافل شبراً تقربت منه ذراعاً وإن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً .. ولا يزال يتقرب إلي بفرائضي وبالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته توليت أمره وكنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي يتكلم به ويده التي يبطش بها .. (1)، ومن المفيد أن نشير أولاً إلى أن هذا الحديث القدسي قد أفاد منه الصوفية كثيراً قبل ابن الفارض وبعده في حديثهم عن الحب الإلهي (2) أي حب الله للعبد من جهة، وحب العبد لله من جهة أخرى، غير أن توجيه الشيخ ناصر له من حيث علاقته بابن الفارض يقوم على أمرين أولهما أن السمع والبصر والقدرة بهذا الوصف الوارد في الحديث هي مواهب من الله للعبد المحب، ولن يصل إلى هذه المرحلة إلا بعد قطعه طريقاً طويلاً من المجاهدات والرياضات، غير أن هذا الوصول إلى هذه المرتبة – وهو الأمر الثاني – لا يسقط عنه التكاليف والفرائض بدلالة استمراره القيام بها والإلحاح على هذا الاستمرار، فكأن الشيخ ناصر يرى أن ابن الفارض والاتجاه السلوكي الذي التزم هو به موافق لأحكام الشريعة، آخذ منها، معتمد عليها، وكأنه من جهة أخرى ينفي عنه ما اتهم به من خروج على الشريعة وهكذا يتبدى لنا هنا بقوة ما أشرنا إليه سابقاً من اكتمال القصيدتين، إذ وصل ابن الفارض إلى مرحلة متقدمة من طريقه الصوفي في التائية الكبرى، وعلى هذا سيقوم هو برؤية القصيدتين بنظرة تكاملية تكشف لنا بدايات ذلك الطريق الذي بدأ في الوصول إلى نهايته في الكبرى، ولن يتحقق هذا الكشف بغير الرجوع إلى التائية الصغرى فهي بداية الطريق وأوله.
أما الأمر الثاني فهو عنوان القصيدة إذ نرى الشيخ ناصراً يقدم لها عنواناً يكاد يكون جديداً لم نره في المصادر التي بين أيدينا، يقول: « .. وأعظم ما نظمه ابن الفارض في العلم منظومته التائية وهي التي سماها نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك، وكلمة حضرات نحن اخترناها، وإلا فهو سماها إلى خدمة ملك الملوك» (3). واعتماداً على هذا سمى كتابه إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك) كما صرح بذلك هو بنفسه. ولابد من الوقوف قليلاً عند هذا العنوان (الجديد) الذي
(1) إيضاح نظم السلوك، و 1.
(2) ينظر حول هذا الموضوع كتاب ابن الفارض والحب الإلهي،، د. محمد مصطفى حلمي، ص 173. (3) إيضاح نظم السلوك، و 1.
36