إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٣٥٥

ابتداء أمره فيها، وهي حضرة الاتحاد التي إليها ينتهي السالكون: وأنت على ما أنت فيه من درجات القرب، عني نازح: أي بعيد، وليس الثريا للثرى بقريبة: أي إنّ رتبتك أعلى من التي أنت فيها فارتفع منها إلى ما أنت له أهل، وهي حضرتي أنا.

وقال:

307 - وطورك قد بُلَّغْتَه وَبَلَغْتَ فو ق طورِك حيث النَّفس لم تَكُ ظَنَّتِ (1) يقول: وقالت له وطورك أي وأعلى مقاماتك مأخوذ من جبل طور سيناء إذ تصعده موسى ال قد بلغته: أي قد بلغتك معرفته، وهديتك للسلوك إليه، وقد بلغت فوق طورك؛ لأن الطور لابد أن يكون له أول ووسط وغاية فقالت: وقد بلغت غاية طورك في هدايتي لك على سلوك وصاله، وبلغت بك إلى حيث النفس لم تكن ظنت أنها ستبلغ إلى ذلك؛ لأنك بلغت إلى مقام لا يدركه عقل، ولا خطر على قلب بشر، ولا سيخطر عليه قلب بشر بلا غاية أبداً إلا أنت في كلِّ صفة من صفات جمالك وجلالك وكمالك الذي أعطي الخلق أهل الكمال كلهم من بعض ما أعطيت أنت.

قال:

308 - وَحَدُّكَ هذا عندَه قِف فَعَنْه لو تَقَدَّمت شيئاً لاحترقت بجذوة يقول: وقالت له: وهذا حدّ وصولك ووصول المخلوقين، ولا أحد وصله غيرك، وقف عنده فلو تقدمتَ عنه شيئاً قليلاً لاحترقت بجذوة وهي قبس النار، والمعنى لو تجلّيتُ عليك بأكثر ممّا تجليت عليك من ظهور الجمال عليك، والجلال والكمال والكشف أكثر مما أنا كشفت لك لم يحتمل عقلك، وذهبت وتلاشيت، وانظر إلى موسى كيف خرّ صعقاً لما تجلّت له قدرة الله تعالى على الجبل فجعله دكّاً، وانظر إلى إبراهيم ال كيف لما رأى الطيور التي ذبحها أُحييت بقدرة الله كاد أن يخرّ صعقاً، وانظر إلى عزير لما رأى الحمار وقد صار رميماً يحيا بين يديه أدهش ذلك الأمر عقله ولبه، ومن العجائب أنَّ هؤلاء يرون خلق الله تعالى من السماء والأرض وما بينهما وما فيهما ولم يخرّوا صعقين، ولا أدهشهم ذلك، وأدهشهم وانخرّوا صعقين بآيات أدنى من ذلك، ولم

(1) في الديوان: [فَطورك] بدل [وطورك].

355