إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٣٨

الأجزاء فالأبواب، وتسبقها مقدمة، فكأنَّ هناك خيطاً خفياً ينتظم الجميع ليوصل إلى النهاية فنراه يعالج في المقدمة مجموعة من القضايا هي أدخل فيما عرف بتصنيف العلوم (1) غير أنه يستند إلى آية وحديث، أما الآية فهي قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون، وأما الحديث فهو حديث المعرفة الذي مرَّ سابقاً، وينطلق منهما ليقول … وهذا يدل على أن الله تعالى عالم الغيب والشهادة لم يخلق الخلق إلا لأجل العبادة كما شاء من عباده (3)، ويقسم العبادة بعد هذا ثلاثة أقسام هي: كشفي وهو علم التوحيد .. والقسم الثاني الحقيقة وهو علم الباطن، والقسم الثالث الشريعة (4)، وكأنه يذكرنا بتقسيم ذي النون المصري للمعرفة من أن قسمها الأول حظ مشترك بين عامة المسلمين، وثانيها معرفة خاصة بالحكماء والعلماء وقسمها الثالث خاص بالأولياء الذين يرون الله بقلوبهم (5)، وهو تقسيم سنجد له صدى في كتابات من جاء بعد ذي النون من حيث تفرقتهم بين علوم الشريعة والحقيقة، ويعمق الشيخ ناصر بعد هذا حديثه عن هذه العلوم من حيث وسائل اكتسابها فيراها تتمثل بثلاث طرق هي طريقة وسائل الشريعة، وطريقة وسائل التجريد من الحقيقة وطريقة المكاشفة براية المحبة (6) ويفصل الحديث عن هذه الطرق بقوله فأما علم الشريعة وأقسامها فقد تكفل كثير من العلماء بتشريحها، وأما علم الحقيقة طريقة ووسائل التجريد وطريقة المكاشفة براية المحبة فأقل بياناً وإن تكلم فيها بعض العلماء نثراً ونظماً فكلامهم فيها أشد غموضاً من كلام العلماء في علم الشريعة الظاهرة (7) ويخرج بعد هذا إلى تبيان أنَّ أقوى ما عرفه من نظم في هذين العلمين الأخيرين هو تائية ابن الفارض الكبرى. ومن الواضح أن الشيخ ناصراً يفيد كثيراً من التراث الصوفي (8) المعتدل الذي قرأه بإمعان ودقة

=

(1) يحتل تقسيم العلوم وتصنيفها منزلة مهمة في التراث العربي، وقدم فيه الفلاسفة والمفكرون مباحث وكتباً كثيرة تشير إلى استيعاب واستقصاء، ورؤى خاصة أيضاً، ينظر على سبيل المثال كتاب إحصاء العلوم للفارابي وما كتبه

ابن خلدون في المقدمة، وغيرها.

(2) الذاريات: 56. (3) إيضاح نظم السلوك، و 1.

(4) المصدر السابق، و 1

(5) ينظر الصلة بين التصوف والتشيع، 97/ 1، ومدخل إلى التصوف الإسلامي، ص 101.

(6) إيضاح نظم السلوك، و 1. (7) المصدر السابق، و 1.

(8) أطلق المتصوفة على (علمهم أسماء كثيرة مثل علم الباطن، وعلم الحقيقة، وعلم الدراية وغيرها وهي كلها تقابل الشريعة، أما التجريد الوارد في النص فيراد به التوجه بالكلية إلى الله سبحانه ونزع الشهوة للدنيا وزخرفها استعداداً للسفر في الطريق الطويل، ينظر عن هذه القضايا، ديباجة ديوان ابن الفارض، ص 20، ومدخل إلى التصوف الإسلامي،

38