إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٣٩فطالما تحدث المتصوفة عن علاقة التصوف بالشريعة من جهة، واتخاذهم طريقة تختلف عنها في عبادة الله من جهة أخرى، كما أن ابن خلدون وهو يقدم تصوراً لعلوم عصره تحدث عن علوم الشريعة ورأى أنها صنفان صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا، وصنف مخصوص بالقوم – يريد الصوفية - في القيام بهذه المجاهدة، والكلام في الأذواق والمواجد العارضة في طريقها (1) ولم يخرج الشيخ ناصر عن هذا المعنى، بيد أنه أضاف إليه تلك الصعوبة والعسر اللذين يتميز بهما العلمان الثاني والثالث بحسبان أنهما يصدران عن تجربة شخصية، ويستخدمان مصطلحات خاصة لا يعرفها على وجه الدقة إلا أهل هذا الطريق وحدهم، ولذلك نراه يعود مرة أخرى فيقدم تقسيماً آخر للعلوم مستنداً فيه إلى حديث لرسول الله له هو (أعطاني ربي ثلاثة علوم: علم أمرت بتبليغه وهو علم دينه تعالى، وعلم خيّرت بين كشفه وكتمانه وهو علم الحقائق وعلم أخذ علي بكتمانه وكلّ ذلك في الكتاب المبين) (2)، ومع ملاحظة إشارة الحديث الواضحة إلى ارتباط تلك العلوم بالقرآن الكريم، أو بتعبير القوم اتكاء الحقيقة على الشريعة، نقول إن الشيخ ناصراً يتخذ من هذا الحديث وسيلة عملية لتبيان طريقة تعامله مع شعر ابن الفارض، والخطوات التي سيسلكها في شرحه القصيدتين. ونستطيع تبين ثلاثة معالم رئيسة تنتظم الشرح كله، أما المعلم الأول فهو صفة مزج المعنى بتقدير ألفاظه» (3)، أي إنه سيعمد إلى النظرة الكلية للشعر القائمة على البحث عما وراء المعنى الظاهري الذي تشي به الألفاظ وهو الذي «طلب نفسه إلى معرفته من نظم هذا الناظم في منظومته (4) على اعتبار أن الفطن تلوح له المعاني إذا انفتح له التقدير ويريد بهذا أنه لن ينظر إلى الشعر الذي بين يديه نظرة تقريرية جافة، وإنما سينظر إلى التركيب باعتباره نصاً مفتوحاً يمثل تأويلات متعدّدة، وعلى هذا فهو سيأخذ بالتأويل لكن بنوع واحد منه وهو القريب الذي يحتمله الشعر، وهذا هو المعلم الثاني إذ يقول: واعلم أن لها تأويلاً باطناً خفياً علوياً سماوياً روحانياً وتأويلاً ظاهراً جسدانياً، ونحن اكتفينا بالجلي الظاهر الممكن فهمه بالغالب
د.
، (5) (
أبو الوفاء الغنيمي، ص 96، وما بعدها، والصلة بين التصوف والتشيع، د. كامل الشيبي، 1/ 413 و 417. (1) مقدمة ابن خلدون، 3/ 1099، ولابن خلدون كلام نفيس حول هذا الموضوع بسطه في المقدمة، فلينظر هناك. (2) إيضاح نظم السلوك، و 2. (3) المصدر السابق، و 2.
(4) إيضاح نظم السلوك. و 2، ولعلّ الشيخ كان مصيباً فيما ذهب إليه من إمكان إساءة الظن به لدى بعض المتعلمين، إذ لدينا إشارات كثيرة تنبه إلى ضرورة الحذر في التعامل مع ألفاظ القوم واصطلاحاتهم على اعتبار أنها ذات خصوصية ومدلولات معينة.
(5) المصدر السابق.
39