إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٣٩٢

واعلم أنّه لمّا أنه لما صحٌ أنّ كلّ شيء إنَّما كان وجوده بإرادة الله، ولا يريد إلا ما يحبّه أن يكون فما كان شيئاً إلا بمحبته وإرادته، فإن قلت: إنّ المعصية كانت، ولا يحبها، ولا يريدها أن تكون من العاصين لله، قلنا: كيف يكون ما لا يحبّ، ولا يريد ولو كان كذلك لكان مغلوباً في ملكه تعالى الله (1)، بل خلق المعاصي فكان في إيجادها بإرادته ومحبته، وخلق العباد، ونهاهم عن المعصية، وأمرهم بالطاعة، وقد سبق في علمه من يكون عاصياً ومن يكون مطيعاً، وأراد أن يكرم من علم به أنّه سيطيعه، ويجاري من علم به أنه سيعصيه علماً أزلياً ينقطع فيه علم المخلوقين بالتفكر فيه فأمر ونهى إرادة فيه ليظهر معصية العاصي من ذات نفسه، وطاعة المطيع من ذات نفسه، ويعين الطائع ويترك العاصي فلا يعينه، ولكن يسهل عليه بعض الأمور التي يريدها من العاصي ابتلاء، كما يرى أصحاب السبت لا تأتيهم حيتانهم يوم لا يسبتون وتأتيهم يوم سبتهم (2)، فانظر من الذي يأتيها إليهم هل أحبّ إظهار ذلك منهم الذي لا يحبه أن يفعلوه، وكذلك في جميع المتعبدين لقوله: نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} (3). وبهذا يُستدل أن معنى محبة الله وإرادته لا على معنى محبتنا وإرادتنا، فإذا تحققت أن كل شيء إنّما يكون بمحبة الله، وإرادته فاعلم أنّ كلّ شيء هو مظهر لمحبته تعالى وكل حسن جميل فهو مظهر لمحبة الله تعالى أن يكون على جمال كمال الصفات، وإن كان الجمال والكمال الذي يوصف به الباري هو غير هذا الجمال والكمال، ولكن جميع الصفات الحسنة وكل الجمال، والحسن، والعلم، والحلم، والسمع والبصر، والإرادة والمشيئة والمخلوقات المركبة في المخلوقين، دالات على الله تعالى فكان الجمال والكمال والمحبة والعلم، وجميع الصفات الحسنة هي على أربعة (4) أقسام لوجهين: مطلقة ومقيدة، والمطلقة على ثلاثة وجوه أحدها يختص به الباري سبحانه وتعالى في صفات (5) ذاته أنه لم يزل موصوفاً:

إنّما

هي

(1) [الله] ساقطة في الأصل، وما أثبتناه من س.

(2) في س: [يسبتون] بدل [سبتهم]، وينظر الشيخ ناصر هنا إلى قوله تعالى: {وَسَئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم

بمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}، صدق الله العظيم، الأعراف، الآية 163.

(3) الأعراف، الآية 163. (4) في الأصل: [4] بدل [أربعة]، وأثبتنا ما في س للإيضاح. (5) في س: [بصفات].

392