إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٤٠٠

الشيء وعرفه فقد أبصره وسمعه فيكون السمع العقلي بصراً، والبصر العقلي سمعاً، فإن قلت: قد يرى الشي ولا يفهم معناه فيكون قد نظر ولم يسمع لسان حاله. فأقول كذلك لم يَر معناه فإذا فهم الشيء فقد رآه، وسمع لسان الحال فيه لا محالة، وقوله: بها كلّ: أي عجز، سمع سامع متنصتي: أي متنصت بي، أي لا يسمع ما تسمعه أجزائي وإن كان قد أجهد نفسه في التنصت إلى استماع ما تسمعه

قال:

385

أجزائي.

بمعنى

- وَيَلْتُم مِنِّي كُلُّ جزءٍ لِثَامها بكل فم من لثمه كُلُّ قُبلة يقول: ويلثم مني: أي كلّ ذرة من أجزائي وقواي لثامها أي لثام وجهها، أراد أن كل جزء مني يشاهدها ويشرب [من شراب] (1) محبتها [74 و]، ويلثم وجه المحبة، ومراده هنا باللثم ليس شيئاً غير اتصال نظره إلى وجه محاسنها؛ لأنَّ كل معنى من معانيه قد اتحدت الآخر كما صوّرناه في السمع والبصر من دلالات الأشياء، فكذلك يصح أن يسمّى إذا عرف المرء الشيء أن يقال قد استنشق منه رائحة المعرفة، وقد سمع الحق فيه، ونظره، ولثم وجهه، والمعنى كله يؤوّل إلى أنه أدرك محبته فاتحدت المعاني في معنى الإدراك، كذلك اتحدت هذه المعاني في معنى المشاهدة والمعرفة بالله تعالى. بكل فم: أراد أنَّ كل شيء في الوجود هو فم ناطق بالحضرة، وبالتوحد، وبظهور الجمال، والكمال، والجلال، وكلّ فمّ، أي وكلّ شيء من الوجود هو لاثم، أي شاهد بمعرفة الله تعالى، وبالمشاهدة له بحضرات صفاته، فلأجل ذلك قال: ويلثم مني كلّ جزء لثامها بكلّ فم، أي أشاهدها بكلّ شيء في الوجود، من لثمه: أي من مشاهدته وشهادته كلّ قبلة: أي كلّ لثمة أي شهادة منها، وبكل مشاهدة منها؛ لأنَّ الوجود شاهد بكل صفة لله تجلّت فيه في كل لحظة، والنبي يشاهد كلّ شيء منه، ومن كلّ شيء من ذرات الوجود كشهادتها، وما شهدت أي وما عرفت إلاّ من فيض بحر مشاهدته، وعلمه فهي به تشاهد أي بكماله؛ لأنها من فيضه، وهو يشاهد منها وبها، وليس المراد أنه يستدلّ بها، بل لا يرى في شيء إلا تجلي الصفات فيه وبه.

بيان في عموم إطلاق هذا السلوك لكل سالك إلى حضرات ملك الملوك

(1) ما بين المعقوفين ساقط في

س.

400