إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٤٠١فإن قلت: إذا كان هذا المقام مختصاً به النبي صلى الله عليه وسلم فما فائدته لمن بعده؟ وكيف يصح أن يسلك فيه غيره؟ وما الفائدة في إطالة القول في إيضاحه؟ فأقول: لوجوه (1): أحدها أن أهل التحقيق لا يقنعون في معرفتهم بالله وبالنبي بالتصديق دون التحقيق، والوجه الثاني أنّ التوحيد كشف تحقيق معرفة الباري فلا يصح إيضاح التحقيق إلا بالتدقيق، والوجه الثالث وإن كانت هذه مراتب النبي فإنَّها طرق لطرق كلّ سالك إلى بعض المراتب، والدرجات، والحضرات، والمشاهدات.
فكلّ مَنْ اتّصف بصفاته، وتخلق بأخلاقه أكثر كان إلى الله ثم إليه أقرب، والمثال في هذا السلوك أنّ كلّ مَنْ حضر ذكر الله تعالى في قلبه لقوة حبّه في كلّ شيء رآه فشاهد برؤية عين قلبه صفاته دالّة على توحيده بلسان حالها كان ذلك المظهر الذي تجلّت له المعرفة بالله سمعاً، وبصراً، وعقلاً، وكلاماً، ولساناً، وشماً، ورائحةً، ولثماً لتلك المعرفة، واتحدت حواسه وقواه في معنى واحد وهي المعرفة والإدراك والمشاهدة، وعلى هذا القياس وظاهر هذه الإشارات مدح النبي، وباطنها إشارات إلى السلوك، وفناء كل شيء في حبّ الله، والنظر إلى كماله وجلاله وكماله والنظر إليه بالصفات والأفعال وإلى محبته ولطفه وإحسانه مع تلاوة الاسم الخماسي الأحرف المشار إليه تلاوة بالقلب دون اللسان فإنَّه أقوى، فإنّ الله تعالى يشاهده إذا كان قوي المحبة ما لا يراه المشغولون بعالم الأشهاد المحجوبون به، وسوف تعلم صدق ما قاله الناظم، وقلناه، ومَنْ لم يجد في نفسه قوة حبّ لله ورغبة فليس له من هذا القسم قسم، فلا ينكر ما ليس له به علم فإنّ لكل مقام رجالاً، ولكلّ رجال مقاماً، فافهم لئلا تظنّ أنّ هذا لم يُردِ غير مدح النبي، ولا كشف فيه سلوكه إلى ربّه، ولا كشف لسلوك غيره إلى حضرات الله تعالى فإنّه ليس كذلك، وقد نبهتك على المطلوب، وإنّما يأتيه على سبيل الحكاية والرمز والإشارة ليكون النظم له حلاوة، وعليه طلاوة في قلوب السامعين تعظيماً لهذه [المقامات] (2).
واعلم أن كلّ [علم] (3) عند الله تعالى عظيم سخّر له إنساناً يحبه ويتعلمه ويسلك فيه، فيتناهى فيه إلى الحد الذي أراده الله تعالى أن [74 ظ] يتناهى فيه فيظهره على لسانه أنه بأفصح
(1) هنا حذف تقديره: يعود السبب في إيضاحه لوجوه، ثم راح يسردها.
(2) في س: [المناسبات] بدل [المقامات].
(3) في س: [ما] بدل [علم].
401