إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٤١٩

فكان في الإنسان سرّ وجود علم جميع الكون السفلي، والطبيعة الوسطى، والسّموات، والطبيعة الكبرى، وسرّ اللوح والقلم، والنور، وفيه سرّ علم الله، وركب جسده من الماء والطين، وركَّب عقله من ثلاثة أشياء: الأول العين البصيرية من روح اللوح المحفوظ من غير اختلاط بشيء من العوالم فهي لا تحبّ إلا الله تعالى ولا تدعو إلا إليه وليس لها جهة إلاّ إلى عالم الغيب، وهو عالم العلم المتجلي به الله تعالى على القلم، وعلى اللوح المحفوظ، وركب العين الغريزية من نفس اللوح المحفوظ ممتزجة [بعالم] (1) الطبيعة الكبرى فهي تحت العلوّ إلى أوجها، لا إلى ربّها واللطائف من جميع الكون السفلي، وركَّب النفس المدبرة من النفس الكلية ممتزجة بلطائف الأرض، والطبيعة الوسطى، ونظرها إلى عالم المثالات والخيالات، والمحسوسات إلا الرسل والأنبياء، وأما ما سواهم فكما قلنا، وكذلك الجنّ، ولكن لم تمتزج نفوسهم من لطائف الأرض إلا بعد أن صارت غذاءً للنار، ودخاناً لا يرى، فأقبلت بحبّها على ما امتزجت به، وانعكس أمرها، فهي مثل نفس الإنسان فأوجب الله تعالى على مَنْ شاء من عباده عبادته لوجوبها عليهم، فمنهم من أطاعه وارتفعت روحه [79] ونفسه طاهرتين من تدنيسه لها، ولكنّها امتزجت به لأنها لم توجد بذلك؛ لأنَّ ذلك لم يكن من قبلها، ورجعت إلى عالم مثالها في اللوح لتعلق حبّها به؛ لأنَّها خارجة منها الثلاثة العيون جميعاً وهي العقل، وهي الروح، وهي النفس، وهي القلب العقلي، أو في عالم مثالي تتجلى فيه تلك المثالات، ومن أقبل إلى الله تعالى وخلصها مما امتزجت به التحقت بصفاتها كما هي في عالم مثالها قبل نزولها إليه من اللوح المحفوظ، ومن دنسها بفعله اسودت وكثفت ولم تقدر على الصعود، وبقيت في مثالها الأسفل، وهو عالم السجين، وهو عالم المثالات الأسفل، والدليل على أنَّ في العالم الأسفل الذي نحن فيه [عالماً مثالياً] (2) أيضاً هو ما تراه بعينيك فيتمثل لك مثالاً تراه بعقلك فلو لم يكن له في العالم السفلي مثال لم تره بعقلك فتبقى نفس الكافر في عالم السجين، وهو عالم مثالات أهل النار، ومثالات الأشياء في غير اللوح المحفوظ، ومنه في غيره هو مثل المرآة لتجلي فيها تلك المثالات، كذلك عالم السجين مثال تتجلى فيه مثالات أهل النار فيصير كلّ روح إلى مثل شخصها الذي كانت فيه إلا الروح الأمر

(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س. (2) في الأصل و [س]: [عالم مثالي، وما أثبتناه الصواب.

419