إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٤٣(بيان)، فكأنَّ هذا (البيان) أشبه بإشارة منه إلى أنّه سيستطرد قليلاً لإيضاح ما مر بحسبان أنه لم يستوف الحديث عنه في الكلام السابق، وقد كثرت هذه البيانات) حتى من الممكن جعل بعضها مباحث منفصلة بسبب اكتمال منهجيتها، ووضوح غاياتها.
-6 -
6
وهو
ولعل ما تقدّم يفسح المجال قليلاً للوقوف عند ظاهرة أشار إليها بعض الدارسين، وهم يتحدثون عن مسيرة الحياة الفكرية والأدبية في عمان ونعني بها العزلة الثقافية، فهم يذهبون اعتماداً على مقولة المركز والأطراف إلى أنّ عمان من أقاليم الأطراف، وهذا يستتبع بالضرورة عزلة ثقافية من نوع ما، وقد وقفت عند ظاهرة العزلة المكانية في بحث سابق، ومما جاء فيه أن «التراث العماني في أغلبه … يصدر عن الفكر الإباضي، وهو المذهب المنتشر بعمان منذ زمن قديم … وعلماء الإباضية أنفسهم لا ينكرون مجموعة من القضايا تميّز بها المذهب … مثل التمسك بالكتاب والسنة، والعمل بما جاء فيهما، والمحافظة على الفرائض ورفض السلطة المتجبّرة الظالمة،، مربط الفرس في هذا الموضع، ويحدّثنا التاريخ العماني عن كثرة الحروب، والنزاع الذي وقع بين السلطة الحاكمة، وأهل عمان بسبب رفضهم سياسة القهر والبطش التي يرونها مخالفة لأصول الشرع، ونجد هذا منذ عهد معاوية بن أبي سفيان الذي لم يكن له في عمان سلطان على حد قول محقق كشف الغمّة (1)، ويستمر هذا الأمر إلى وقت متأخر، حتى إنّنا نجد اللغوي الشهير أبا بكر بن دريد المتوفى سنة 321 للهجرة يوثّق في شعره ما نزل بأهل عمان من كوارث على يد محمد بن نور عامل الخليفة العباسي المعتضد، حتى إنَّ ابن رزيق يصف ما وقع وصفاً مسهباً من أنَّ محمد بن نور «استولى على كافة عمان، وفرّق أهلها، وعاث في البلاد، وأهلك كثيراً من الحرث والأولاد … وجعل على أهلها النكال والهوان، ودفن الأنهار، وأحرق الكتب (2)، مما يشير إلى استمرار النزاع، والاختلاف بين السلطة المركزية وعمان، وقد تولّد عن هذا الواقع ما نستطيع تسميته بالاكتفاء الداخلي باعتباره نوعاً من الحماية الذاتية وفق قانون التحدي والاستجابة، فالدولة على مدى قرون متطاولة تعتنق مذهباً مختلفاً، ورأياً سياسياً مناقضاً، وسلوكاً مرفوضاً، وأهل عمان بالمقابل
عمان
(1) ينظر الأدب في الخليج العربي، 3/ 541. (2) الفتح المبين، ص 208، ويقول أيضاً، ص 216،: … ولما ركدت زعازع بغي الخلفاء العباسيين عن وانقطعت مادتهم عنها بالبغي والعدوان عقد أكابر عمان بالإمامة على الخليل بن شاذان»، وينظر كذلك تاريخ عمان المقتبس من كتاب كشف الغمة، ص 54، وما بعدها.
43