إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٤٤يمتلكون رؤيتهم المذهبية الخاصة، وموقفهم السياسي المنفصل عن السياق العام، فلا مفرّ عندئذ من اللجوء إلى الداخل تعتمل فيه الاتجاهات، وتتباين فيه الرؤى بعيداً عما يجري في الخارج، فإذا كان هذا صحيحاً من حيث البعد المكاني والاقتناع بما هو موجود في الداخل، والاكتفاء بالمخزون الذاتي. أقول، إذا كان هذا صحيحاً بالنسبة لما سبق، فهل يصح من وجهة ثقافية أيضًا؟ بمعنى هل استتبع هذا الاكتفاء انقطاعاً ثقافياً ومعرفياً عما يجري في الخارج؟ إنَّ الإجابة المنهجية عن هذا السؤال تستدعي نَخْلاً شاملاً لمفاصل الحياة الثقافية في عمان تمتد لقرون، وهذا ليس موضعه هنا، كما أنه ليس بمكنة باحث واحد أن ينهض بهذا العمل الكبير، غير أنَّ التوقف عند محورين رئيسين من محاور الثقافة يمكن أن ينفخ الحياة في هذا الموضوع، ويوصل إلى نتائج يمكن الاطمئنان إليها بدرجة كبيرة، ونريد بالمحور الأول الطب والصيدلة، ونقصد بالمحور الثاني هذا الكتاب الذي بين أيدينا بحسبان أنه من أهم كتب (السلوك) التي وصلتنا، وقد اعتمد فيه مؤلفه على علوم مختلفة ما كان له أن يتبحّر فيها لولا تواصل ثقافي ملموس بينه وبين الخارج هيأ له الاطلاع على عشرات المصادر، سواء في التخصص الدقيق، أو فيما هو قريب منه كما سنرى؛ مما أتاح له تحرير
هذا الكتاب.
وقد درست في مناسبة سابقة حركة الطبّ والصيدلة في عمان من خلال عائلة علمية صرفت جهدها لهذين العلمين هي آل هاشم وقد وقف مطوّلاً عند أحد أعلامها الكبار وهو الطبيب الصيدلي راشد بن عميرة، ونخل تراثه العلمي الذي ما يزال مخطوطاً. ويقع بسبعة كتب، وتوصل إلى أنَّ هذا الطبيب ورث الطب والصيدلة عمّن سبقه، وأورثه مَنْ
جاء بعده، وكان يعتمد الملاحظة، والتجربة في عمله ممّا يشي بإفادته من المراكز الطبية في عصره، وقبله مثل، دمشق وبغداد والقاهرة، وفارس مع اطلاع كافٍ على المنجز العربي وغير العربي في الطب والصيدلة، ومصادرهما المعتبرة في هذين المجالين، ولذلك رأينا أسماء أعلام عربية وغير عربية، ومصادر عربية وغير عربية تتردّد في كتبه، وهو يفيد منها، ومن التجارب والملاحظات، ويردّ على بعض مَنْ سبقه في بعض الأحيان، ويضيف إليهم في أحيان أخرى مما يشير إلى تمكن ملحوظ، ورسوخ في هذين العلمين، ولا شكّ أنَّ توفّر تلك المصادر قد وفد من الخارج على هيئة المخطوطات مما يقطع بوجود تواصل قوي بين ذاك الخارج وهذا الداخل، ولم يمنع ذلك التواصل اختلاف في الرأي أو ابتعاد في المكان، فالحكمة هي الضالة المنشودة فلتؤخذ من منابعها، وهكذا كان.
44