إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٤٥ويقال مثل ما سلف عن هذا الكتاب الذي يمكن اعتباره بامتياز ممثلاً لحركة التأليف في السلوك) بمصطلح القوم هنا، فليس الأمر تأليفاً وحسب، وإنما هو استعداد، واستكمال للأدوات، وأخذ بالعزم، وفي نص نادر ظفرت به في ثنايا المخطوط يشير الشيخ ناصر فيه إلى أنَّ ابن الفارض «قد توغل في علم اللغة، والمعاني، والبيان، والمنطق، والفلسفة، والبديع، والعروض، والنحو، وكفى بسبك نظمه، وجناسه دليلاً على ما قلناه»، أقول، إذا كان ابن الفارض قد توغل في تلك العلوم على حد قول الشيخ ناصر،، أفلا يحتاج كشف تلك العلوم والتنويه بها ومعرفة مواضعها إلى علم معادل، وتوغل مكافاء يكون بمكنته تحقيق ذلك الكشف؟ إنَّ الجواب المنهجي لن يأتي إلا بالإيجاب، والكتاب كله معرض رحب، وفضاء متسع يومئ إلى هذا الأمر، ويشير إليه، إذ نجد مفردات تلك العلوم ظاهرة مرة هكذا عياناً، ومستترة أخرى تدعم البناء العام للكتاب، ونضيف إلى ما ذكره الشيخ ناصر تفسير القرآن الكريم، والقراءات والحديث النبوي والتاريخ، والفلك، ويقف (التصوف) هناك، و (السلوك) هنا في مقدمة تلك العلوم، إذ نجد الشيخ مطلعاً على مصادره المعتبرة، وخابراً أسماء الصوفية الكبار، متتبعاً أخبارهم، وناقلاً الكثير من أقوالهم، هذا عن الظاهر، أما ما أشرنا إليه بالمستتر فنريد به تلك النظريات الفلسفية، والأقاويل الماورائية، والتصورات التي قامت عليها بنية التصوف بدءاً من السالك، وانتهاءً بالقطب، وبين الاثنين (سفر) شاق متنوع ذو أفانين. وقد دخلت تلك النظريات الفلسفية التصوف، وخصوصاً في طوره المتأخر مثل نظرية المثال الأفلاطونية، والفيض الأفلاطونية، والحقيقة المحمدية، وغيرها، إذ نجد الشيخ خبيراً بها، موظفاً إياها خير توظيف في بناء كتابه، ومجارياً ابن الفارض في تلاوينه الروحية، وتحولاته الوجدانية، أما المصطلح الصوفي فقد كان الباقعة فيه (والباقعة الداهية من الرجال الخبير بالأمر على حد قول الخليل في العين) أقول، كان الباقعة فيه من حيث إحاطته به، وتحركه الدقيق بين طبقات تأويلاته المختلفة، وقدرته على تمييز الفروق الدقيقة بين تلك الأفواج المتتابعة من المصطلحات، ولم يتهيأ له ذلك بغير اطلاع على مصادره، وتدقيق في مظانه، ولا تنبسط هذه العلوم ذلك البسط بغير مكتبة كبيرة قدمت له من الزاد، أوفره، ومن الثمر أنضجه، وأعانته على دخول عالم ابن الفارض المتسع الجنبات المتنوع المسالك بقدم ثابتة، وخطوة راسخة، وقد تحمّل المحقق إيضاح كلّه: الظاهر، والمستتر، رادّاً المعالجات إلى أصولها، وشارحاً المصطلح – وما أكثره –
ذلك
45