إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٤٥٠أشتغل عن حكم مظهري الذي ظهرت فيه لأداء ما وجب عليَّ في الشريعة أداؤه فرضاً، أو العمل به استحباباً، وترك ما لزم تركه فرضاً واستحباباً، وأمر قتال أهل الباطل، ولم أنس: أي لم أغفل مظهر حكمتي، أي تحقيق الحكمة في ظهوري إلى الوجود، ولماذا، وظهور حكمتي التي هي العلوم والدعاء إلى الله تعالى، وشرع الشريعة، ولإظهار فضلي لذلك على جميع الوجود، لم أنس تحقيق هذا بتحقيق العلم الناسوتي في تكوين جميع الموجودات الجسمية منه، كل ذلك قد تحققته، وتحققت الوجود بأسره من أول بدايته من النور الأعلى إلى آخر ما أُمرت به أن أظهره بحقيقة الرؤية من غير أن يشغلني شيء عن شيء، واللاهوت والناسوت لم يذكرا في كلام العرب، ولا في علم الشريعة، وإنما كان من موضوعات النصارى حيث استعملوها، وأرادوا باللاهوت سر الإلهية وبالناسوت الطبيعة (1)، وقالوا: تلبس اللاهوت بالناسوت، ودخل فيه فظهر على صورة عيسى فهو ابن الله، وكفروا بهذا القول، ومعي أن مما يدلّ على أنَّ اللاهوت هو معنى الإله، ومعنى اللاهوتي معنى الإلهي بالعربية ما يروى الأحد من الجن وهو ابن عبد الله المذهب، ونهاه عن المزاح معهم، وكان في طاعته زماناً، فأتاه يوماً في صورة طير فقال له: ما أعجبك للصيد أنت! فغضب المذهب وقال: والأسماء اللاهوتية، والحروف النورانية لولا العهد الذي بيني وبينك لمزقتك تمزيقاً كما يُمزّق الريح العاصف في التراب، فارتعدت فرائص الرّجل هيبة منه، ولم يقدر أن يدعوه سنة كاملة حتى صلح بينهما الشيخ الذي آخى بينهما، ولولا أنَّ كلمة اللاهوت معروفة في لغة معلومة لما قسم بها الجني، والأسماء اللاهوتية هي الأسماء الإلهية من أسماء ذاته، وأسماء صفاته، العلمية وأسماء أفعاله، وقول النصارى إنَّ اللاهوت دخل في الطبيعة الكبرى فظهر عيسى فهو ابن الله تعالى. وقيل: إن أول من تكلم بهاتين الكلمتين من المتصوفين النوري (2)
أن عالماً صادق بين
مَلَك
يوم
(1) مر الحديث عن الناسوت، وما يقوله الشيخ ناصر هو الصواب من حيث إنَّ المصطلحين نصرانيان، وهما من أصل سرياني قديم بدلالة أنهما مختومان بواو وتاء. (2) النوري: هو أحمد بن محمد النوري المتوفى سنة 295 للهجرة، ويعرف بابن البغوي نسبة إلى قرية اسمها بغشور بخراسان وإن كان قد ولد ونشأ ببغداد، وله طريقة صوفية تنسب إليه يقال لها النورية، صحب النوري مجموعة من الصوفية منهم الجنيد، والسري السقطي والقصار، وغيرهم، وممّا يروى عنه أنه كان يحمل غداءه من بيته في الصباح متوجهاً إلى حانوته فيتصدق به في الطريق، ويظل صائماً بقية اليوم، فيظن أهل بيته أنه يأكل في الحانوت، ويظنّ أهل السوق أنه يأكل في بيته، وظل على هذه الحال عشرين سنة، ولما توفي قال عنه الجنيد: منذ مات النوري لم يخبر عن حقيقة الصدق أحد، ينظر عنه موسوعة الحفني، ص 586، وما بعدها.
،
450