إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٤٥٣وصفه بغاية اللطف للمؤمنين وبنهاية الشدة والصعوبة على الكافرين، والمقام المحمدي يقول بلسان حاله مخبراً عن قول حاله: وقد جاءني، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم أباً لجميع الموجدات فهو في الحقيقة أب لجميع العباد، والعباد كلهم هو أبوهم، وذكر الله تعالى الأبناء بالنفس فقال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ (1) أي بيوت أبناءكم؛ لأنه ذكر أقارب المرء، ولم يذكر ولده، فدلّ على أنه أراد بذلك ولده، وسمّى نساءه أمهات المؤمنين، فكذلك هو أب المؤمنين، فقال تعطفاً وتلطفاً، وإظهار شفقته للذين اتبعوه من المؤمنين أولياء الله تعالى وفيه تقديم وتأخير، تقديره: وقد جاءني، أي جاءكم مني رسول تقديره رسول منكم من أنفسكم، أي أشرفكم، وفي قراءة بفتح الفاء (2)، وبضمها، ومني تتمة الكلمة من أنفسكم على الوجهين يصح؛ لأنَّه متكلم بالإشارة إلى الآية قوله: [عزيز عليه] أي صعب عليه أن يترككم [88 و] على ما عنتم به الله تعالى، عزيز: أي ضنين حريص أي ضنين أيضاً لرأفة، أي لكثرة رأفة بي، أي بكم فأضافهم إلى نفسه في كلّ كلمة منه مبالغة في كرامته لهم؛ ولأنَّ حقيقة [كمالهم أن يجدوا بكماله فيكونوا في الحقيقة شيئاً واحداً، حقيقة واحدة، ونوراً واحداً، ونورهم من نوره لا غير فافهم] (3). ويتضمن معنى آخر يقول: ولقد جاءني منّي، أي من ذاتي إلى رسول، وهو الأمر الداعي إلى الله تعالى في العين البصيرية من أنفس عيون ذاتي، أي أشرفهنّ، عزيز عليه ما عنتم: إشارة إلى العين الغريزية والعين المدبّرة، والخواطر، والحواس، والأعضاء، ما عنتم، أي الذي لا يليق بكم من عمل أو غفلة، حريص عزيز بمعنى ضنين لشدة رأفة بي، وعلي، وبكم، وعليكم، رؤوف رحيم، وأراد بذلك تمثيلاً لنفسه أنّ فيه مثال وأن أمر العين البصيرية بمنزلة الرسول من الله تعالى في الدعاء إليه، وفي العظمة عن الخطأ في كل ذي حجر، فإن أطاعه أطاع الله، وإن عصاه عصى الله تعالى، وليس المراد بمنزلة نبي في كل حالة، ولكن في العصمة، والدعاء إلى الله تعالى، وفي لزوم طاعته، وفي
جميع
ذلك،
(1) النور، الآية 61. (2) جاء في المحتسب لابن جني، 1/ 306، ما نصه: (ومن ذلك قراءة عبد الله بن قُسيط المكي: لقد جاءكم رسول من أنفسكم. قال أبو الفتح: معناه من خياركم، ومنه قولهم: هذا أنفس المتاع، أي أجوده وخياره». (3) ما بين المعقوفين مكتوبة في الهامش في الأصل.
453