إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٤٧٠هي
لا يتغير ولا يتبدل؛ لأنَّ ذلك العلم يدلُّ على أنّ الله لا يراه، ولا سيراه أحد، ولا يجوز أن يتبدل علم الله جل وعلا، ولما صح، الغين، وتجلّت الغين، إذ ما بعد الأغيار إلا الله تعالى، شاهد بذلك عين صفات الله تعالى أي حقائقها، وقوله: ونقطة عين الغين استعار كما قلنا النقطة التي تعتل بها عين الإنسان لعين حقيقة المشاهدة فقال (1): ونقطة عين الغين، أي ونقطة نفس ذات ذلك العلم، وتلك المشاهدة به ألقت أي طرحت، أي لم يَبْقَ في عين نفس المشاهدة حجاب في نقطة له علة في رؤيته ومشاهدته. واعلم أن الصحو معهم على ثلاثة وجوه اثنان لغويان والثالث معنوي حقيقي، فالصحو الأول صحو الجو الذي هو بين السماء والأرض، والصحو الثاني نقيض السكر، ويراد به مع أهل التحقيق الصاحي قلبه من المحبة لله التي تستغرق فكره في آلائه وصفاته، ويفنى عن كثير من صفاته، فيسكره حبّ مولاه؛ لأنّ حقيقة السكر الحق معهم هو بحبّ الله، وما سواه، فباطل كأنه لا شيء، وما دام الإنسان لم يسكره حبّ الله (2) فيشغله عن كل شيء سواه فهو على حكمه الأول تمثيلاً بساكر الخمر فحكمه أنه صاح ما لم يسكر، و تمام السكر الأول محو كلّ شيء سوى محبوبه حتى لا يرى نقطة من الأغيار مثل نقطة الغين من سحاب الحجب، وما دام يرى نقطة فهو صاح صحوه الأول بقدر تلك النقطة، وأما الصحو الثالث فهو الصحو المعنوي الحقيقي، وهو صحو لمشاهدة الله تعالى، ولا يكون إلا بعد محو لكلّ ما سواه، وأراد هنا في هذا الصحو هذا الوجه الثالث، أي في صحوي هذا وصفه بصحو الجوّ وصفائه، ولكنَّ محو النبي مخالف لكلّ محو غيره أن لا يرى غير الحضرات، ومحو أن يرى الحضرات والوجود ولكن يرى حقائق الوجود كما يرى ذلك من أفق العلم الأول، وكذلك صحوه يرى الكل، وصحو غيره أن لا يرى إلا الحضرات، ولا يدهش فإنه قد يكون محواً مع اندهاش حتى تأخذه الحيرة عن الرؤية بفكره، ويسمّى بذلك متلوّناً (3)، وأما الصاحي بعد [92] محوه فلا يدهش وإن رأى ما رأى، وهو المتمكّن في تلك المرتبة، ومتلوّن بطلبه لمرتبة أخرى، فافهم ذلك، كما قال
والدنا الشيخ أبو نبهان له في مرتبة التلوين:
(1) [فقال] ساقط في س، والزيادة من الأصل.
(2) في س: [مولاه] بدل [الله].
(3) مرَّ الحديث عن (التلوين).
470