إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٤٧٣الدين بإمام أو بغير إمام بجماعة من العلماء والمسلمين، أو على سبيل الاحتساب، وغير ذلك. ولكنَّ هذه الأعمال إذا قرنت بسلوك المحبة إلى الله، والتصوف بها، والتصوف بتجريد النفس وتقديسها، أو تخليتها من أوصافها وصفاتها وتحليتها بصفات الله التي يمكن أن تتحلى بها، والمعنى صفات الله هي الصفات التي أوجدها، ودلالة على صفاته فيكون المعنى صفات الله، أي صفات لله؛ لأنَّ صفات الله الموصوف بها لا يتصف بها أحد، ولكن لما كان هذه دلالة على صفاته حقيقة أضيفت إليه كما يقال في الكلام الذي يروى عنه كلام الله تعالى أي كلام له أوجده من غير واسطة بأحد، فلما لم يكن بواسطة أحد تكلم به من ذاته واختياره، بل أنزله الله على لسان ملك من ملائكته، أو أخبر به نبي من أنبيائه أنه قال الله تعالى كذا وكذا، لم يجز أن ينسب إلى أحد إلا إلى الله تعالى فقيل: كلام الله، أي كلام منسوب لله، وكذلك كلّ روح أوجدها من غير واسطة حيوان تنسب إليه مثل روح آدم و مثل روح عيسي نسبت إليه ونسبها إلى نفسه، فقال: {وَنَفَخْتُ فِيهِ من رُّوحِي (1) وعيسى روح الله وكلمته أي آيته كما أنَّ روح عيسى روح الله وكلمته، وكذلك كلّ كلام أوجده هو، وخلقه بغير واسطة من أحد نسب إليه، كذلك أحبّ الله بمحبته، أي بالمحبّة التي خلقها فأحبها وأرادها، وكذلك بإرادته وقدرته، واعرفه بعلمه. وعلى هذا فالتخلق بصفات الله هو على هذا المعنى، ولا نشك أن الجمع بين الوسيلتين الشرعية والحقيقية هو الكمال الأعظم، ولكن بعض مراتب الشريعة في الوسائل العلية لا تمكن لكل من رآها، وأما طريقة المحبة، وطريقة التجريد هى مبذولة لكل من شاءها إلا من لم يكن في نفسه رغبة ومحبة لله، وإنّما يكلف نفسه في العبادة فما دام كذلك فلا يقدر حتى يقطع العوائق، وليس كل أحد يتهيأ له قطع العوائق، فصح أن لكل مقام حالاً (2)، ولكل رجال مقاماً، وكل ميسر لما خلق له، وعلى المرء الاجتهاد في الطلب؛ لأنه لا يعلم أنه ممن هو ميسر لذلك أم لا، فافهم.
قال:
487 - وَمَا فِي مَا يُفْضِي لِلَبْسِ بَقيةٍ ولا في لي يقضي علي بفيئة
(1) الحجر، الآية 29. (2) في س: [مقالاً] بدل [حالاً].
473