إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٤٧٧يولدون ويبلغون الحلم، وتنزل عليهم بلية التعبّد، وأشهدهم على أنفسهم بالعقول التي ركبها فيهم التي لا يصح معها إنكار أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} (1)، أي أنت ربنا حقاً، ويمكن أن يكون قال ذلك لآدم ال فأجابه آدم فكان ثابتاً على جميع نسله ممن تعبد منهم إلى يوم القيامة إلا من غيّر، وبدل لقوله تعالى في المؤمنين: الْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} (2) فأثبت لهم ما أثبت لآبائهم من الإيمان ما لم يبلغوا الحلم، ويغيّروا فهو ثابت لهم ذلك أنه ليس عليهم دعوة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلّ مولود على الفطرة) (3) أي على فطرة إيمان أبينا آدم حين أقر بالله وعمل صالحاً، وإنما يهودان، الطفل، وينصرانه، ويمجسانه أبواه في أحكام الدنيا لا في أحكام الآخرة، لقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (4) ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ لَا يُعْمَلْ مِنْهُ شَيْ (5)، وله معنى آخر أنّ كلَّ مولود على الفطرة القابلة للإيمان بوجود العين الغريزية والعين البصيرية، والعين المدبرة، وإنّما يضيع المرء المقاربة فينصرانه، ويمجسانه (6)، ويهودانه (7) أبواه، وكل هذه يتضمنها قوله، يقول هذا الخطاب من الله تعالى وخطابه: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} (8)، وفي مفهوم العامة أنَّ هذا خطاب خاص للآخرة، وهو كذلك صحيح في التأويل، وهو المقصود، ولكن في مرتبتي أنا، و مشاهدتي للعلم الأول البرزخي ليس هذا خطاباً منفرداً (9) عن هذا الخطاب بتقدم، ولا بتأخر لا، ولا هذا غير ذلك، ولا خطاب الآخرة واقع للآخرة فقط؛ لأني أرى في تلك الحضرة كلّ هذا دفعة واحدة وأرى الدنيا والآخرة فى ذلك العلم دفعة واحدة ليس أحداهما قبل الأخرى، ولا أرى الأولى أكثر من الأخرى، ولا الأخرى أكثر من الأولى، وذلك قوله: ليس لست أراهما غداً، أي لمن الملك غداً لا أرى هذا غير هذا، ولا هذا غير هذا، وكذلك أيام الدنيا فجنحي، أي ظلمة ليلي غداً، أي صار هناك صبحي: ويومي ليلتي
(1) الأعراف الآية 172.
(2) الطور، الآية 21. (3) مرّ تخريج الحديث. (4) الأنعام، الآية 164.
(5) فاطر، الآية 18.
(6) في الأصل، و [س]: [ويمسحاه]، وما أثبتناه الصواب (7) في الأصل و [س]: [ويهوداه]، وما أثبتناه الصواب. (8) غافر، الآية 16. (9) في الأصل و [س]: [خطاب منفرد)، وما أثبتناه الصواب.
477