إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٤٩٣[حكاية] (1) أخرى: قيل إن رجلاً عشق امرأة، ووعدته أن تلاقيه في موضع خارج عن البلد، في فلاة بعيد طلوع الشمس، فذهب في طريقه إلى لقائها، وأظلم الليل عليه فوقف عند طحان يطحن على رحى ماء حتى يطلع القمر، وقال للطحان متى تبدأ بالطحن، أراك واقفاً؟ قال: عند طلوع القمر، وعند الطحان رجل آخر فلاح يعمل في أحوال الفلاحة، وعليه ثياب خلقة، والعاشق عليه من الثياب والسلاح من أحسن ما يكون، فقال للطحان والفلاح: أنا أنام في هذه الرحى ما دامت لا تطحن، فإذا أردت الطحن أيقظني فإنّ عليَّ وعيدة أن ألاقي أحداً في موضع يلاقيني بدراهم كثيرة في فلاة كذا وجبت عليه (2)، أو قال له غير ذلك، فقالا: علينا لك أن نوقظك متى طلع القمر، فأخذ الطحان ينزع عنه ثيابه [بلطف] (3) ولبسه إزاراً خلقاً، وعممه بثوب خلق، وأخذ السلاح وجعل في شدّ إزاره حديدة من آلة (4) العمال، وأيقظه حين طلع القمر فلما مضى وأسفر الصبح، ورأى لباسه لباس الفلاح، وفي محزمه آلة فلاح ظنَّ نفسه أنه هو الفلاح، وقال: واعجباً أنا الطحان وأنا الفلاح، وقد وعدنا الرجل لنوقظه فأوقظ الطحان أنا، ولم يوقظ صاحب اللباس، الحسن، ويقول عليه وعد لقاء، ونحن وعدناه، والوعد لا ينبغي إلا وفاؤه فأنا أرجع أوقظ الرجل فرجع، ولم يجده على الرحى فعاتب الطحان كيف أوقظتني أنا ولم توقظ الرجل، فقال له: أنا أوقظت الرجل ولكن لم يذهب إلى الفلاة التي ذكرها لي ولك في الليل، بل ذهب إلى السوق فقال: لعلّه غفل فأنا أسير ألتمسه من السوق فذهب يلتمسه، ويسأل عنه كلّ من لقيه، وهو يسأل عن نفسه. فالناظم أراد مثل هؤلاء، وأنّ المقام الأكملي تخبر صاحبه بلسان حاله أنه كذلك يحبّه لحضرته التي هي أحدية الجمع كما نبأ عنه الناظم.
قال:
510
أُسائلُها عَنِّي إِذا ما لَقِيتُها من حيث أهدت لي هداي أضلت
يقول: أسائلها عنّي إذا ما لقيتها: أي شهدتها، ومن حيث أهدت: أي ومن باب أرادت
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من
(2) أي الدراهم.
س.
(3) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل. (4) في س: [آلات].
493