إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٤٩٥

وسكرة إحساسي أيضاً، ورؤيتي إلى المحاسن منها هي خمرتي التي لم أزل ازداد بها

سكراً (1).

بيان

يرى منه

فإن قيل: وما معنى هذه المبالغة في التدلّه والحيرة والسكر؟ فأقول: إن مراده أن أول ما أوجد الله تعالى من العلم نوراً من تجلي صفاته، وذلك النور هو نور النبي صلى الله عليه وسلم فكان نوراً برزخياً، ومنه وجد جميع الموجدات، وظهرت في عالم الشهادة، والنبي صلى الله عليه وسلم حقيقة نوره هو ذلك النور، وهو فيه، ومنه، ولكنَّه لا نهاية له في عقله، وله مقام قدر ما يتجلى له منه، وهو غير متجزيء، أي ذلك النور في مظاهر قبل ظهور المظاهر، بل هو نور واحد لا وجود معه لشيء من الموجودات، والنبي كذلك يراه الآن في كلّ شيء فإنَّ الأشياء كلّها تشف معه حتى يصير علماً، وذلك العلم هو نوره، ولا يعلم له نهاية، وفي علم الله قدرته في إمداده لا نهاية له، فحق المقامه الله أن يخضع لله، ويدله نفسه، وأنه لا: إلا ما فتح له، فهو يطلب زيادة التجلي، وفي الحقيقة يطلب تجلّي نوره، فهو كمن يطلب نفسه، وهو صحيح أنّ الذي يطلبه من نفسه يشاهده، وما لم يشهده فهو غائب عنه، وهو مثل الغائب عن نفسه، وذلك ليوضح مقامه إحاطة علمه، وأنه أعلم المخلوقات، وأنه مع ذلك هو مثل المتدلّه الذي لا يعرف شيئاً فإنّ من امتدح قوماً في الشجاعة، وبالغ في مدحهم، ثم ذكر من غلبهم، وأذلهم كان أكشف في المدح ممن امتدح الغالب، ولم يذكر حال المغلوب إذ قد يمكن أن يكون جباناً، كذلك كشف جمال النبي وكماله، وإحاطة علمه الذي هو أكمل الخلق في كل شيء، ثم يدله نفسه في تعظيم جمال العلم الذي أوجده الله علماً، ثم إنّ ذلك العلم ليس هو بعد إلاّ خَلقٌ من خلق الله فيكون كشف العلم دلالة على جمال الله وكماله وجلاله الذي لا يعرف بحقيقته إلا هو إلا بتحقيق الوصف والصفات التي هي حقيقة صفاته، ووصفه كذلك، فافهم، فإنّ المقام المحمدي إذا أخبر

هنا

يتبين

(1) السكر عند الصوفية دَهَش يلحق سرّ المحبّ عند مشاهدة جمال المحبوب فجأة فيذهل الحسّ، ويلم بالباطن فرح وهزّة وانبساط، وهو نوعان: سكر بخمر المودة، وسكر بكأس المحبة، والسكر من مقامات العشاق، ومن أن لا علاقة لهذا السكر بالسكر الحقيقي، ينظر موسوعة الحفني، ص 795، وموسوعة العجم، ص 469، وما بعدها، وينظر كذلك كتاب [المفهوم الرمزي للخمر عند الصوفية]، د. حسن الفاتح قريب الله، ص 173، وما بعدها خصوصاً، وإن كان الكتاب كله يعالج الخمرة والسكر ومفهومهما عند الصوفية.

495