إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٥٠٠مشاهدته بالعين. قال الله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ أي لو صدقتم بحقيقة التصديق {لَتَرَوُنَ الْجَحِيمَ) ثم لترونها في الآخرة عين اليقين، أي بعيونكم، وأما حق اليقين فهو الملازم بالمشاهدة، والمثال في ذلك أن لو سمع أن شيئاً يقال له جوهر موجود مع الملوك وغيرهم، ونشأ على هذه الشهوة، فصدق ولم يختلجه شك، ولكن لم ينظر جوهريته، فإذا نظر جوهره مرة واحدة تحقق بالمشاهدة، ولكن قيل إنّ ذلك الذي نظرته جوهر عملي ليس هو الجوهر الأصلي فليس هو كمن هو ممن شغله الغوص إليه من البحر، وصار يعرف جنس كلّ جوهر، حتى إن هذا من جوهر البحر الفلاني (1)، وهذا آخر البحر الفلاني، وصار عالماً به علماً حقيقياً فهو حق اليقين في علمه بالجوهر أنه موجود، وأنّ هذه جوهريته، وأما عند أهل الحقيقة فعلم اليقين (2) علم تحقيق النفس بالتصديق، وعين اليقين علم تحقيق الروح، وحق اليقين علم تحقيق السر، فإذا عرفت ذلك فهو يسافر بنفسه عن علم اليقين علم النفس لعينه، أي إلى عين اليقين، علم روحه ليسافر معه، وتسافر روحه مع النفس إلى حق اليقين مقام الجمع، وهي حقيقة الحقيقة، يقول: وإنما كان هذا السفر منّي حيث إنّ الحقيقة هي منزلي وإليها رحلتي، فافهم ذلك.
قال:
514 - وانْشُدُني عنِّي لأرشدني على لساني إلى مسترشدي عند نشدتي يقول وأنشدني أي وأنشدها، وإنّما سماها نفسه، عنّي: أي عن نفسي لأرشدني أي لأرشد نفسي، وأراد لترشدني هي على لساني، أي على لسانها هي التي ستر شدني، يقول: أناشدها لترشدني إلى الذي هو يناشدها عنّي عند نشدتي إيَّاها، حين ذلك لأذهب إليه، وهو هو الناشد عن نفسه ليسير مع نفسه، وأراد يسير معها هي، وذلك لشدّة تدلّهه بحبّها.
قال:
-515
5 - وأسألُني رَفْعَ الحجابِ بكشفي الـ
نقات
وبي كانت إليّ وسيلتي
(1) في الأصل: [الغاني]، وأثبتنا ما في س لتلاؤمه مع السياق.
(2) علم اليقين ما كان من طريق النظر والاستدلال، وحق اليقين ما كان بتحقيق الانفصال عن لوث الصلصال بورود رائد الوصال. ويتحدث الجنيد عن حق اليقين فيقول: إنّه ما يتحقق العبد بذلك، وهو أن يشاهد الغيوب كما يشاهد المرئيات مشاهدة عيان، ويحكم على الغيب فيخبر عنه بالصدق ينظر موسوعة العجم، ص 675.
500