إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٥٠٧إليها بنفي الحسّ، أي بسبب نفي حجب عالم الحسّ عن رؤيتي فلم أر الكون إلا برزخياً علمياً كما كان في أول إيجاده في الوجود، فرأيت الموجدات كلها مرآة للعلم بالله وفي الله ولله، وذلك العلم الذي نطق به كلّ هو الذي صار علمي، وفي الحقيقة أنّ العلم هو الناطق في كل شيء فلم أر في مرآة الكائنات إلا العلم الأول الذي هو نوري الأول، وإن سمعت كلاماً فأسمع فيه، ومنه كلام لسان حال دلالة تجلّي العلم الأول الذي نوري، وإن رأيت شيئاً رأيت فيه ذلك كذلك أيضاً، فإن قلت: إنَّ (1) في الوجود وجود المعاصي، فأقول: إن المعاصي في ذاتها مظاهر علم مثل غيرها لا تختلف؛ لأن وجودها يدلّ على قدرة الله وعلى أنّها مخلوقة، وعلى [101 ظ] علم الله بها، وكذلك هي تدلّ على ما يدلّ غيرها من التوحيد، فهو يشاهد ذلك التوحيد منها، ولقوله تعالى: [وإن من شيء إلا يسبح بحمده، وهي شيء، وكلّ شيء يسبح حتى وجود نفس المشرك بالله تعالى، فهي تسبّح الله بالدلالة على توحيده جل وعلا، ولا أجر له؛ لأنّ ذلك لا من إرادته بل إيجاد الله تعالى لها كذلك بعلمه وقدرته، فهي تدلّ على علم الله، والعلم بالله، ونفس الأنبياء، والملائكة، ونفس إبليس لعنه الله في دلالة إيجادها على توحيد الله تعالى سواء، وكذلك إيجاد الكفر والإيمان، والشرك والنفاق، والإسلام والإحسان في دلالة إيجادها على توحيد الله تعالى؛ لأنها أشياء، وكلّ شيء يسبح بحمده بالدلالة على معرفة الله تعالى، فتساوت في حضرة الدلالة، واختلفت في الحِلّ والإباحة، والصدق والكذب، والحق والباطل، والمحق والمبطل، فافهم ذلك. ومعنى قولنا ومن صفت وشفت معه الموجدات علماً واحداً متحداً ليس المراد أنه رآها شفافة منظرة، وإنما شاهد تسبيحها، والعلم بالله الناطقة به فسمع نطقها وتسبيحها وراءه عياناً فأغفله رؤية أجسامها كما ينظر إلى صنعة صانع (2) يعرفه فتدهشه فطنته ومعرفته حتى يذهب فكره في ما أعطى الصانع من الحكمة عند رؤية تلك الصنعة، وإذا صار كذلك في حدّ رؤيته في الموجدات كلّها علماً واحداً صارت هي علمه، وعلمه هو العلم الذي هي مظاهر له، واتحد الكل شيئاً واحداً كما اتحد الهواء بين السماء، والأرض شيئاً واحداً.
فلو كان الهواء به عقل يعقل الأشياء لكان كلّ جانب منه هو بقية الجوانب كلها،
(1) [إِنَّ] ساقطة في الأصل، والزيادة من س.
(2) في س: [الصانع] بدل [صانع].
507