إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٥٢٣هي ذات الله تعالى يدرك فهم كلامه من غير حرف في الأمر، الأمر، ويسمع بغير أذن، ولا كلام، ولا صوت، وترى أنها قد انقادت لأمر ربها، وتقدر أن يكون كما أمرها لقوله تعالى: وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وقال: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وقال: فَقَالَ لهَا وَالْأَرْضِ انْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَا أَنَيْنا طَابِعِينَ}، أي دالين على معرفتك، والعلم بك مستمعين كلّ من أراد سماعنا، ورائين كلّ من أراد أن يرى أدلتنا، وقيل: قالا ذلك بلسان الحال، وقيل: قالا مقالاً، وإن لم يكونا نطقا بالحرف، فإنَّ العقل متكلم آمر، مفهوم كلامه يأمر الأعضاء فتسمع كلامه بغير السمع المعروف، وتبصر أمره بغير عين، ولا بالبصر المعروف، ويفعل ويقدر على الفعل ولا يُرى فعله ولا قدرته وكذلك يدرك إلهام ربه من العلوم فيعلمه من غير حرف ولا صوت، ويأمر كذلك، فجميع صفات ذات الإنسان وفعالها في هيكلها يحكي صفات الله تعالى وأفعاله في هيكل إنسان الوجود بأسره، وتجلي صفات الله تعالى على العقل، وإدراكه خطابه الإلهي هي دليل على تجلي الله تعالى على أول الإيجاد العلمي، وعلى القلم، وتجلي صفات على العقل، وظهور ذلك التجلي على الأربع الجوارح، ثم على الأكوان كلّه دليل على تجلي الله بصفاته على القلم، والعلم على اللوح والطبيعة، ثمّ على جميع الأكوان حذو النعل بالنعل، فكان تجلي الله بصفاته من أول الإيجاد على أول الإيجاد إلى ظهور الشهود على مثال تجلي الله بصفاته على ذات العقل إلى ظهور الشهود فشاهد في الشهود، وحقيقة صفات الحق وحقيقة وجوده كما شاهد ذلك عقل القلم، وكما يشهده الله تعالى جلّ وعلا لا بمعنى التشبيه، ولكن كشف لتحقيق معرفته أنّها لا تختلف في شيء، فافهم.
قال:
543 - وجود اقتنا ذكر بأيدي تحكم شهود أحبتنا شكر بأيد عميمة يقول: كلّ هذا منه سبحانه وتعالى للإنسان المحقق العارف به وجود، أي كون اقتناء، أي ذخر ذكر له ليكون متصرفاً في جميع الوجود بالعلم، ويكون الوجود كلّه تحت ملكه بالتحقيق، آخذ بزمامها بأيد بقوة تحكّم، أي تسلط له من الله عليها، وذلك التسلط لعقله على كشف الأكوان هو شهود أحبتنا، وأراد به الاستعارة إلى الإرادة، والمحبة من الله تعالى لعبده بأيدٍ، عميمة، أي بنعمة من الله عميمة على عباده.
523