إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٥٢٧الهواء، واللوح يمده القلم، والقلم من ورائه العلم الذي هو كما ذكرناه أنه كالمرآة تحكي صفات الله تعالى، وكذلك عقل المرء هو مثل اللوح؛ لأنَّه ممدود فيه، وكلّ ما يخطر فيه من الإلهام، وجميع الخواطر التي بالله من الله تعالى فإنّما القلم الإلهي هو الذي يكتب فيه ذلك، ومن وراء القلم العلم الذي تجلّي صفات الله، فصح أن اللوح ليس هو شيء مبسوط في مكان معلوم كالسموات، وكذلك القلم وانكشف الأمر أن تجلي الله بصفاته في أول الإيجاد على القلم عندما وجد العلم بتجلي الصفات، ثم إيجاد القلم الكاتب من الصفات التسع هو القلم الكلي لا غير، والروح العقلية هي الروح الكلية اللوحية لا غير، ولكل امرئ من العقل بقدر ما أفيض عليه منه، فكان في المرء مركباً في الجسماني كالمصباح الذي هو كوّة البيت، والمركب فيه الزجاجة له جهتان أحدهما إلى عالم القلم، ومنه إلى عالم العلم، والآخر إلى المرء في هيكله، وله خمسة مصابيح يرى بها الموجدات ويشاهد بها، فإن اخترقا رأى من جهة عالم العلم كما يراها من جهته الأخرى، فإن قلت: إنَّ للعقل ثلاث عيون أيهما هذه؟ فأقول: كلهن هنّ في شيء واحد، أما البصيرية فإلى عالم الروح اللوحي، وأما الغريزية فإلى عالم المثال وعالم الحس، وأما المدبرة فإلى عالم الحسّ، والغريزية والمدبرة إذا توجهت إلى البصيرية تجلى لهما من أنوارها، والبصيرية وإن توجهت إليهما رأت من جهتهما ما رأته أحدهما، فصح أن السمع، والبصر، والكلام، والقدرة هي القوة المدركة التي هي صفة ذات الإنسان، وهذه الأسماء أسماء لتلك الذات، وأنّ هذه الصفات الأربع بها يتوصل إلى فهم الخطاب الإلهي القولي والإلهامي والعلمي، ومنها يكون للذات الثواب وبها يكون العقاب، وبها صار العقل مدركاً، فإن أقبلت إلى النفس المقبلة على المحسوسات، ولم تربواطنها وأصلها، وكفرت بالله المنعم استحقت العذاب، وإن نظرت إلى الكمال الحقيقي [107 و] وطمعت في النعيم الأبدي، أو خافت
بشيء من هذا التأثر الذي أفاده الشيخ - بلا شك - من قراءاته الواسعة في الأدبيات الصوفية، ويكفي أن نشير إلى أن نظرية الفيض ذات أصل أفلوطيني صريح، ويرد المصطلح عند الصوفية بمعنى التجلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال، فالعالم المسوّى بدون الروح الإلهي بمنزلة المرآة غير) (الصقيلة، وبالروح الإلهي بمنزلة الصقيلة، فكما أنَّ المرآة بسبب جلائها تقبل صورة من يحاذيها وتعطيها لصاحبها، كذلك العالم بسبب قبول الروح الإلهي يقبل التجلّي الدائم الذي هو ظهور عينه إليه في ذلك المحل المكمل)، ينظر موسوعة العجم، ص 741، وهو قريب ممّا يذهب إليه الشيخ ناصر من حيث توظيفه (الفيض) و (المرآة)، و (التجلّي) في الشرح، وينظر كذلك أفلوطين عند العرب، د. عبد الرحمن بدوي، ص 115، ما بعدها ففيه شرح مفيد.
527