إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٥٣٩

في

وجود

عظيماً، وليس هو مثل هذا النور الشمسي كما كان الوجود قبل كونه إلا علماً لا [110 ظ] معه، ويرى الوجود غير حاجب له عن اتصال العلم بعدما صار الوجود كله ذاته واحداً علماً نورانياً برزخياً كما كان في أول الإيجاد، وهذه مرتبة النبي ما دام يدهش في ترقيه فيها، فهو في أحدية الجمع، فإذا تمكن، وصحا فهو في مرتبة أحدية جمع الجمع، وكل هذا يكون إذا خلا بمناجات ربه، ولا بد له من رجوع مع بقاء الحضور إلى إقامة الدين، وإجراء الأحكام، وتبليغ الدعوة، وجهاد المشركين، والمنافقين الباغين إلى غير ذلك، فهو في المثال من رأى قصراً مشيداً عجيباً، ودخله وصوّره في نفسه فلم يزل مثاله في عقله حاضراً لا يزول ولو عمل ما عمل وهو يحضر مع الناس، وكذلك من نظر إلى جمال امرأة قد شغفته فلم يزل يرى بعقله صورتها، ولم يقدر على إزالته لقوة حبّه لتلك الصورة، ولهذا المعنى التمثيل في حضور القلب مع من أحب بغير تصوير، ولو ظهرت منه للناس أعمال ظاهرة فإنّ ذلك ممكن، وإذا أراد الله بعبد أن يكاشفه بحبّه فغير منكر، ولا ينكره إلا من فقد حلاوة لذة المناجات، ومن وجدها حقق أنَّ ذلك من مبادئها. وقيل عن النبي الله يحكي عن الله أن أدنى ما أفعل بالعلماء إذا أقبلوا على الدنيا، وأعرضوا عن الآخرة أنَّ أنزع حلاوة الإيمان من قلوبهم، ولذة مناجاتي، وليس ذلك مما يغفله عن الاجتهاد في الشريعة وتعليمها، وبذل النفس في قيام الدين، وأمور المسلمين، بل كان المرء أحب إلى الله تعالى كان أقوى عزماً في كلّ أمر لله، وكفى بذلك شاهداً حال النبي، وحالتا أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمار بن ياسر ومَنْ سار على مذهبه إلى يوم القيامة.

كلّما

ولذلك قال: قواهر صولة، وقوله نجائب، آيات وغرائب نزهة، ورغائب غايات، وكتائب نجدة، أراد بذلك معنيين: أحدهما أنه وصف الواصلين بهذه الصفات أنهم نجائب، أي نجباء، آيات، أي بلغوا مبالغ حتى صاروا بها آيات في العالمين، وغرائب: أي غرباء نزهة، أي في مبالغة نزاهتهم عن صفات من هو دونهم، ورغائب: أي رغباء قد بلغوا في الرغبة غاياتها وكتائب أي رايات نصرة لدين الله فجمع وصفهم في الحضرات، وفي ظهورهم بصفات الظاهر، وهذه إشارات إلى النبي وأصحابه ومن تمسك بدينه من بعده لنصر دين الله ونصر المسلمين، وكذلك الأنبياء ومن اتبع أمرهم في نصرة دين الله تعالى. والمعنى الثاني أراد بالنجائب جمع كل حالة ينجب بها المرء، وهي تأتي على

539